ابن عربي
78
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
عقلك ، وما رأيت لك أيها الملك في هذا المسألة شبيها إلا الكلب . قال : وكيف ؟ قال : الكلب يتمعّك في الجيفة ، ويتلطخ بدمها ، فإذا أراد أن يبوّل رفع رجله حتى لا يصيبه البول ، وأنت حرام كلك وتسأل عن ثيابك . فاستعبر الملك باكيا ، وزل من حينه عن دابته وتجرّد من ثيابه ، فرمى عليه بعض العامة من أهل الدين ثوبا ، وقال لأهل دولته : انظروا لأنفسكم فلست لكم بصاحب . واقتفى أثر العابد ، فصعد معه إلى العبادة بموضع عال بقبلة تلمسان ، وأقام معه ثلاثة أيام . ثم أمره العابد بالاحتطاب ، فجعل الملك يحتطب ويبيع بسوق تلمسان ، ويأكل ويتصدّق بالفضل ، وكان الناس إذا أتوا إلى العابد يسألونه الدعاء فيقول : سلوا يحيى في الدعاء ، فإنه خرج عن قدرة . ويقال : إن ذلك العابد كان أبا عبد اللّه التنوسي . وقفت أنا على قبريهما وقبر الشيخ أبي مدين بالعباد بظاهر تلمسان . روينا من حديث أحمد بن حنبل ، عن أسباط بن محمد ، ثنا هشام بن سعد ، عن عبد اللّه بن عباس قال : كان للعباس ميزاب على طريق عمر ، فلبس عمر ثيابه يوم الجمعة ، وكان إذ ذاك خليفة ، وكان ذبح للعباس فرخان ، فلما وافى الميزاب صبّ ماء بدم الفرخين فأصاب عمر فأمر بقلعه ، ثم رجع فطرح ثيابه ولبس ثيابا غير ثيابه ، ثم جاء فصلّى بالناس ، فأتاه العباس فقال : واللّه إنه للموضع الذي وضعه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال عمر للعباس : فأنا أعزم عليك لما صعدت على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ففعل ذلك العباس . وروينا من مواعظ علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، أنه ذكّر الناس يوما في خلافته فقال : إنك مخلوقون اقتدارا ، ومربوبون اقتسارا ، ومضمّنون أجداثا ، وكائنون رفاتا ، ومبعوثون أفرادا ، ومدينون حسابا . فرحم اللّه عبدا اقترف فاعترف ، ووجل فعمل ، وحاذر فبادر ، وعمر فاعتبر ، وحذر فازدجر ، وراجع فتاب ، واقتدى فاحتذى ، فتأهّب للمعاد ، واستظهر بالزاد ليوم رحيله ، ووجه سبيله ، وحال حاجته ، وموطن فاقته ، فقدم أمامه لدار مقامه . فمهّدوا لأنفسكم في سلامة الأبدان ، فهل ينتظر أهل غضارة الشباب إلا خوّافي الهرم ؟ وأهل بضاضة الصحة إلا نوازل السقم ؟ وأهل مدة البقاء إلا مفاجآت الفجا ، واقتراب الفوت ، ونزول الموت ، وخفر الأنين ، ورشح الجبين ، وامتداد العرنين ، وألم المضض ، وغصص الحرض ؟ فاتقوا اللّه تقية من شمر تجريدا ، وجدّ تشميرا ، وانكمش في مهل ، وأشفق في وجل ، ونظر في كره الموئل ، وعاقبة المصير ، ومغبة المرجع ، فكفى باللّه