ابن عربي
77
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
فأهنّئها ، أم إلى النار فأعزّيها ؟ ثم أنشأ يقول : ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي * جعلت رجائي نحو عفوك سلّما تعاظمني ذنبي فلما قرنته * بعفوك ربي كان عفوك أعظما وما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل * تجود وتعفو منّة وتكرّما حكاية عن ملك زهد في الدنيا روينا من حديث أحمد بن محمد بن حنبل ، عن يزيد بن هارون ، ثنا المسعودي ، عن سماك بن حرب ، عن عبد الرحمن بن عبد اللّه ، عن أبيه ، عن ابن مسعود قال : بينا رجل ممن كان قبلكم في مملكته ، فتفكّر ، فعلم أن ذلك منقطع عنه ، وأن ما هو فيه قد شغله عن عبادة ربه ، فانساب ذات ليلة من قصره ، فأصبح في مملكة غيره ، فأتى ساحل البحر ، فكان يضرب اللبن بالأجرة ، فيأكل ويتصدّق بالفضل ، فلم يزل كذلك حتى وصل أمره إلى ملكهم ، فأرسل ملكهم إليه أن يأتيه ، فأبى ، فأعاد إليه الرسول ، فأبى وقال : ما لك وما لي ؟ فركب الملك إليه ، فلما رآه الرجل ولّى هاربا ، فلما رأى ذلك الملك ركض في أثره فلم يدركه ، فناداه : يا عبد اللّه ، إنه ليس عليك مني بأس ، فأقام حتى أدركه ، فقال : من أنت يرحمك اللّه ؟ قال : أنا فلان ابن فلان صاحب ملك كذا وكذا ، تفكّرت في أمري ، فعلمت أن ما أنا فيه منقطع عني ، وأنه قد شغلني عن عبادة ربي ، فتركته وجئت هاهنا أعبد ربي عز وجل . فقال : ما أنت بأحوج مما سمعت مني ؟ قال : ثم نزل عن دابته فسيّبها ، ثم تبعه ، فكانت جميعا يعبدان اللّه عز وجل ، فدعوا اللّه عز وجل أن يميتهما جميعا ، فماتا . قال عبد اللّه : فلو كنت برميلة مصر لأريتكم قبريهما بالنعت الذي نعت لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قصة يحيى بن توغان ملك تلمسان وهو من خئولتنا حدثني أخوالي ووالدي رحمهم اللّه ، قالوا : كان بتلمسان الملك يحيى ، فنزل يوما في موكبه من مدينة أقادر ، يريد المدينة الوسطى ، وبينهما بقيع فيه قبور ، فبينا هو يسير وإذا برجل متعبّد يمشي لحاجته ، فمسك عنانه وسلّم عليه ، فردّ الرجل العابد السلام ، وكلّمه بأشياء ، فكان من بعض ما كلّمه به الملك أن قال له : أيها العابد ، ما تقول في الصلاة في هذه الثياب التي عليّ ؟ فاستغرق العابد ضحكا ، فقال له : ممّ تضحك ؟ قال : من سخف