ابن عربي

76

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

يا أيها المغرور بغرورها ، متى غرّتك مضاجع آبائك في الثرى ؟ أم مضاجع أمهاتك في البلا ؟ كم قلّبت بكفيك ، ومرضت بيديك تطلب له الشفاء وتسأل له الأطباء ؟ لم تظفر بحاجتك ، ولم تسعف بطلبتك ، قد مثلت لك الدنيا مصرعك غدا ، ولا يغني عنك بكاؤك ، ولا ينفعك أحبّاؤك . ومن مواعظ سعيد بن عامر بن حديم لعمر ما روينا من حديث ابن أبي الدنيا قال : حدثني يعقوب بن عبيد ، ثنا أبو مسهر ، عن سعيد بن عبد العزيز قال : قال سعيد بن عامر بن حديم لعمر رضي اللّه عنه : إني موصيك بكلمات من جوامع الإسلام ومعالمه ، قال : أجل ، فإن اللّه قد جعل عندك أدبا قال : اخش اللّه في الناس ، ولا تخش الناس في اللّه ، ولا يخالف قولك فعلك ، فإن خير القول ما صدقه الفعل ، ولا تقض في أمر واحد بقضاءين فيختلف عليك أمرك ، واحبب لقريب المسلمين وبعيدهم ما تحب لنفسك وأهل بيتك ، وخض الغمرات إلى الحق حيث علمته ، ولا تخف في اللّه لومة لائم . قال عمر : ومن يستطيع ذلك يا سعيد ؟ قال : من ركب في عنقه مثل الذي ركب في عنقك . موعظة روينا من حديث المالكي قال : حدثنا علي بن الحسن الربعي قال : حدثني محمد بن عبد الرحمن القرشي ، عن أبيه قال : كتب بعض الحكماء إلى ملك من ملوكهم : إن أحقّ الناس بذمّ الدنيا وقلاها من بسط له فيها ، وأعطى حاجته منها ، لأنه يتوقع آفة تعدو على ماله فتجتاحه ، أو على جمعه فتفرقه ، أو تأتي سلطانه من القواعد فتهدمه ، أو تدبّ إلى جسمه فتسقمه ، وتفجعه بمن هو ضنين به من أحبابه وأهل مودّته ، فالدنيا أحقّ بالذمّ ، هي الآخذة ما تعطي ، الراجعة فيما تهب ، بينما تضحك صاحبها إذ أضحكت منه غيرة ، وبينما هي تبكي له إذ أبكت عليه ، وبينما هي تبسط كفيه بالإعطاء إذ بسطتها بالمسألة ، تعقد التاج على رأس صاحبها اليوم ، وتعفره بالتراب غدا ، سواء عليها ذهاب من ذهب ، وبقاء من بقي ، تجد في الباقي من الذهب خلفا ، وترضى من كل بدلا . روي عن المزني قال : دخلت على الشافعي رضي اللّه عنه في مرضه الذي مات فيه ، فقلت له : كيف أصبحت ؟ فقال : أصبحت من الدنيا راحلا ، وللإخوان مفارقا ، ولسوء عملي ملاقيا ، وبكأس المنية شاربا ، وعلى اللّه واردا ، فلا أدري أروحي تصير إلى الجنة