ابن عربي

75

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

المؤمنين من الجزور الذي نحرنا اليوم ، فقال : بخ بخ ، بئس الوالي أنا إن أكلت طيبها وأطعمت الناس كراويشها ، ارفع هذه الجفنة وهيّئ لنا غير هذا الطعام ، فأتى بخبز وزيت ، فجعل يكسره بيده ويثرد ذلك الخبز ، ثم قال : ويحك يا برقيّ ، ارفع هذه الجفنة حتى تأتي بها أهل بيت ربيع ، فإني لم آتهم منذ ثلاثة أيام ، وأحسبهم مقفرين ، وضعها بين أيديهم . وروينا من حديث أنس بن مالك قال : بينما عمر يعسّ المدينة إذ رأى بيتا من شعر لم يكن بالأمس ، فدنا منه ، فسمع أنين امرأة ، ورأى رجلا قاعدا ، فدنا منه فقال : من الرجل ؟ قال : رجل من أهل البادية جئت إلى أمير المؤمنين أصيب من فضله . قال : فما هذا الأنين ؟ قال : امرأة تمخض ، قال : هل عندها أحد ؟ قال : لا ، فانطلق إلى منزله فقال لامرأته أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : هل لك في أجر ساقه اللّه إليك ؟ قالت : وما هو ؟ قال : امرأة تمخض ليس عندها أحد ، قالت : إن شئت ، قال : خذي ما يصلح للمرأة من الخرق والدهن ، وجيئيني ببرمة وشحم وحبوب ، فجاءت به ، فحمل البرمة ، ومشت خلفه حتى انتهى إلى البيت ، فقال : ادخلي إلى المرأة ، وجاء حتى قعد إلى الرجل فقال له : أوقد لي نارا ، ففعل وأوقد تحت البرمة حتى أنضجها ، وولدت المرأة ، فقالت له امرأته : يا أمير المؤمنين ، بشّر صاحبك بغلام . فلما سمع الرجل يا أمير المؤمنين كأنه هابه ، فجعل يتنحّى عنه ، فقال له : مكانك كما كنت . فحمل عمر البرمة حتى وضعها على الباب ، ثم قال : أشبعيها ، ففعلت ، ثم أخرجت البرمة فوضعتها على الباب ، فقام عمر فأخذها فوضعها بين يدي الرجل ، فقال : كل ، ويحك فإنك قد سهرت من الليل ، ففعل ، ثم قال لامرأته : أخرجي ، وقال للرجل : إذا كان غدا فائتنا نأمر لك بما يصلح ، فأتاه ، فأجازه وأعطاه . ومن مواعظ علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ما رويناه من حديث أبي بكر بن أبي الدنيا قال : حدثنا علي بن الحسن بن أبي مريم ، عن عبد اللّه بن صالح بن مسلم العجلي ، عن معاد الهراء قال : سمع علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه رجلا يسبّ الدنيا ، فقال علي رضي اللّه عنه : إنها لدار صدق لمن صدقها ، ودار عافية لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزوّد منها ، مسجد أحبّاء اللّه عز وجل ، ومهبط وحيه ، ومصلّى ملائكته ، ومتجر أوليائه ، اكتسبوا فيه الرحمة ، وربحوا فيها الجنة . فمن ذا يذمّ الدنيا ؟ وقد أذنت بفراقها ، ونادت بعيبها ، ونعت نفسها وأهلها ، فمثلت ببلائها البلاء ، وشوّقت بسرورها إلى السرور ، فذمّها قوم عند الندامة ، وحمدها آخرون ، ذكّرتهم فذكروا :