ابن عربي
50
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
في بلاد قومه من قضاعة ، يدعوه إلى نصره ، ويعلمه ما حال بينه وبين ولاية البيت ، ويسأله الخروج إليه بمن أجابه من قومه . فقام رزاح في قومه فأجابوه إلى ذلك ، فخرج رزاح بن ربيعة ومعه إخوته من أبيه ، حنّ ومحمود وجلهمة بنو ربيعة بن حزام فيمن تبعهم من قضاعة في حاج العرب ، مجمعين لنصر قصي والقيام معه . فلما اجتمع الناس بمكة خرجوا إلى الحج ، فوقفوا بعرفة بجمع ، ونزلوا منى ، وقصي مجمع على ما أجمع عليه من قتالهم بمن معه من قضاعة ، فلما كان آخر أيام منى أرسلت قضاعة إلى خزاعة يسألونهم أن يسلموا إلى قصي ما جعل له حليل ، وعظموا عليهم القتال في الحرم ، وحذروهم الظلم والبغي في الحرم ومكة ، وذكروهم ما كانت عليه جرهم ، وما صارت إليه حين ألحدوا فيه بالظلم ، فأبت خزاعة أن تسلم ذلك ، فاقتتلوا بمغضى المأزمين من منى . قال : فسمي ذلك المكان المفجر ، لما فجر فيه ، وسفك فيه الدماء من الدم ، وانهتك من حرمته ، فاقتتلوا حتى كثرت القتلى في الفريقين جميعا ، وفشت فيهم الحروب والجراحات ، وحاج العرب جميعا ينظرون إلى قتالهم من مصر واليمن . ثم تداعوا إلى الصلح ، ودخلت قبائل العرب بينهم ، فاصطلحوا على أن يحكموا بينهم رجلا من العرب فيما اختلفوا فيه . قال : فحكّموا يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة ، وكان رجلا شريفا ، فقال : موعدكم فناء الكعبة غدا ، فاجتمع إليه الناس ، وعدّوا القتلى ، فكانت في خزاعة أكثر منها في قريش وقضاعة وكنانة ، وليس كل بني كنانة قاتل مع قصي خزاعة ، إنما كانت مع قريش من بني كنانة غلمان يسيرة ، فاعتزلت عنها بكر بن عبد مناف قاطبة . فلما اجتمع الناس بفناء الكعبة قام يعمر بن عوف فقال : ألا إني قد شدخت ما كان بينكم من دم تحت قدميّ هاتين ، فلا تباعة لأحد على أحد في دم ، وإني قد حكمت لقصيّ بحجابة الكعبة وولاية أمر مكة دون خزاعة لما جعل له حليل ، وأن نخلّي بينه وبين ذلك ، وأن لا تخرج خزاعة عن مساكنها من مكة . قال : فسمّي يعمر من ذلك اليوم الشداخ . فسلمت بذلك خزاعة لقصي ، وأعظموا سفك الدماء في الحرم ، وافترق الناس ، وولّي قصي بن كلاب حجابة البيت وأمر مكة ، وجمع قومه من قريش من منازلهم إلى مكة يستعزّ بهم ، وتملّك على قومه فملّكوه ، وخزاعة مقيمة بمكة على رباعهم ، لم يتحركوا من مساكنهم ، ولم يخرجوا منها ، ولم يزالوا على ذلك حتى الآن . فحاز قصي شرف مكة ، وبنى دار الندوة ، وفيها كانت قريش تقضي أمورها ، ولم