ابن عربي
44
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
أخيّين كنا فرّق الدهر بيننا * إلى أمد الأقصى ومن يأمن الدهرا خبر شق وسطيح مع ملك اليمن قال ابن إسحاق : كان ربيعة بن نصر ملك اليمن فرأى رؤيا هالته وفظع بها ، فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائقا ولا منجّما إلا جمعه إليه ، فقال لهم : إني رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها ، فأخبروني بها وبتعبيرها ، قالوا له : اقصصها علينا نخبرك بتأويلها ، فقال : إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها ، لأنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها ، فقال له رجل : إن أردت علم ذلك فابعث إلى شق وسطيح ، فبعث إليهما ، فقدم عليه سطيح وهو ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن غسان ، فقال له الملك : إني رأيت رؤيا فأخبرني بها وبتأويلها ، قال : افعل ، رأيت جمجمة خرجت من ظلمة فوقعت بأرض تهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة . فقال له الملك : ما أخطأت منها شيئا ، فما عندك من تأويلها ؟ قال : أحلف بما بين الحرّتين من حنش ، لتزلن أرضكم الحبش ، فلتملكنّ ما بين أبين وجرش . فقال الملك : يا سطيح ، إن هذا لنا لغائظ موجع ، فمتى هو كائن ؟ أفي زماني أم بعده ؟ قال : لا بل بعده بحين ، أكثر من ستين أو سبعين يمضين من السنين ، قال : أفيدوم ذلك في ملكهم أم ينقطع ؟ قال : بل ينقطع لبضع وسبعين تمضين من السنين ، ثم يقتلون ، ويخرجون منها هاربين . قال : ومن يلي ذلك من قتلهم ؟ قال : يليه أرم ذي يزن ، يخرج عليهم من عدن فلا يترك أحدا منهم باليمن . قال : أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع ؟ قال : بل ينقطع . قال : ومن يقطعه ؟ قال : نبيّ زكي يأتيه الوحي من قبل العلي . قال : وممن هذا النبي ؟ قال : رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر ، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر . قال : وهل للدهر من آخر ؟ قال : نعم ، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون ، يسعد فيه المحسنون ، ويشقى فيه المسيئون . قال : أحق ما تخبرني ؟ قال : نعم ، والشفق والغسق والفلق إذا اتّسق ، إن ما أنبأتك به لحق . ثم قدم عليه بعد ذلك شق بن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن قسز بن عبقر بن أنمار بن نزار ، فقال له كقوله لسطيح ، وكتمه ما قال سطيح ، لينظر أيتفقان أم يختلفان ؟ قال شق : نعم ، رأيت جمجمة خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة وأكمة ، فأكلت كل ذات نسمة . قال الملك ما أخطأت يا شق شيئا ، يريد المعنى ، فما عندك في تأويلها ؟ قال شق : أحلف ما الحرتين من إنسان لينزلنّ أرضكم السودان فليغلبن على كل طفلة البنان ، وليملكنّ ما بين أبين إلى نجران . فقال الملك : إن هذا لنا لغائظ موجع ، فمتى هو كائن ؟