ابن عربي
41
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
تسكن ذا طوى ، وكان لها ابن ولم يكن ولد غيره ، وكانت تحبه حبا شديدا ، وكان شريفا في قومه ، فتزوج وأتى زوجته ، فلما كان يوم سابعه قال لأمه : يا أمّه ، إني أحب أن أطوف بالكعبة سبعا نهارا ، قالت له أمه : أي بنيّ ، إني أخاف عليك سفهاء قريش ، فقال : أرجو السلامة ، فأذنت له ، فولى في صورة جان ، فلما أدبر جعلت تعوّذه وتقول : أعيذه بالكعبة المستورة * ودعوات ابن أبي محذورة وما تلى محمد من سورة * إني إلى حياته فقيرة وإنني بعيشه مسرورة فمضى الجان نحو الطواف فطاف بالبيت سبعا ، وصلى خلف المقام ركعتين ، ثم أقبل منقلبا حتى إذا كان ببعض دور بني سهم عرض له شاب من بني سهم أحمر أكشف أزرق أحول أعسر فقتله فثارت بمكة غبرة حتى لم تبصر لها الجبال . قال أبو الطفيل : وبلغنا أنه إنما تثور تلك الغبرة عند موت عظيم من الجن ، قال : فأصبح من بني سهم على فرشهم موتى كثير من قبل الجن ، فكان فيهم سبعون شيخا أصلع سوى الشباب ، قال : فنهضت بنو سهم وخلفاؤها ومواليها وعبيدها ، فركبوا الجبال والشعاب بالثنية ، فما تركوا حية ، ولا عقربا ، ولا خنفساء ، ولا شيئا من الهوام يدب على وجه الأرض إلا قتلوه ، فأقاموا بذلك ثلاثا ، فسمعوا في الليلة الثالثة على أبي قبيس هاتفا يهتف بصوت له جهوري يسمع بين الجبلين : يا معشر قريش ، اللّه اللّه ، فإن لكم أحلاما وعقولا ، اعذرونا اعذرونا من بني سهم ، فقد قتلوا منّا أضعاف ما قتلنا منهم ، ادخلوا بيننا وبينهم بصلح نعطيهم ويعطونا العهد والميثاق أن لا يعود بعضنا لبعض بسوء أبدا ، ففعلت ذلك قريش واستوثقوا لبعضهم من بعض ، فسمّيت بنو سهم العياطلة قتلة الجن . ما جاء من الحكم في مثل هذه الواقعة حدثنا الضرير إبراهيم بن سليمان الصوفي الخابوري من دير الرمان بحلب قال : كنت بذي نصر ، فخرج رجل يحتطب لعياله ، ففقد أياما حتى حزن عليه أهله ، فدخل عليهم بعد ذلك ضعيفا ، متغير اللون ، كاسف البال ، أثر الرعب والجزع عليه ظاهر ، قال : فسألناه عن شأنه ، قال : بينا أنا أحتطب إذ عرضت لي حية فقتلتها ، فغشي عليّ ، وغبت عن نفسي ، فما أفقت إلا وأنا بأرض لا أعرفها ، بين قوم لا أعرفهم ، فأخذني جماعة منهم فجاءوا بي إلى شيخ فيهم كبير هو زعيمهم ، فمثلوني بين يديه ، فقال : ما شأنكم ؟ فقالوا : هذا قتل ابن عمنا ، وأشاروا إليّ ، فقد لنا منه ، فقال الشيخ : ما تقول ؟ فقلت : لا أعرف ما