ابن عربي
32
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
يظلم ويجور ، فركب في يوم شديد البرد ، فرأى في بعض الأزقة كلبا أجرب قد أنكاه البرد ، فدمعت عيناه وأخذته عليه شفقة ، فقال لبعض جماعته : احمل هذا الكلب إلى البيت حتى أرجع ، فلما رجع من وجهه إلى البيت تولى موضعا من داره جعله مربطا لذلك الكلب ، وأطعمه وسقاه ودهنه وكساه جلا ، وأوقد حوله نارا يستدفي بها على بعد . فلم يلبث الوالي بعد هذه الفعلة سوى ليلتين ومات رحمه اللّه . فرآه بعض الصالحين ممن كان يعرف ظلمه وجوره قال : ما فعل اللّه تعالى بك ؟ فقال له : يا هذا ، أوقفني الحق بين يديه ، وقال لي : كنت كلبا فوهبناك لكلب ، فغفر لي ، وضمن عني ، وأدخلني الجنة . فقلت : يصدق هذا ما أخبر به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن بغي من بغايا بني إسرائيل رأت كلبا على بئر يلهث عطشا ، فنزعت موقها من رجلها ، واستقت له ، وسقته وانصرفت ، فشكر اللّه تعالى فعلها وغفر لها . فتوة ومروءة حدثنا عبد الرحمن ، عن أبي بكر الصوفي ، عن علي الحبري ، عن ابن باكويه ، عن أبي الحسن الحنظلي ، عن أحمد بن علي الإصطخري ، عن أبي عمر الدمشقي قال : خرجنا مع أبي عبد اللّه بن الجلاء إلى مكة ، فمكثنا أياما لم نأكل ، فوقعنا في البرية إلى أعرابية عندها شاة ، فقلنا لها : بكم هذه الشاة ؟ قالت : بخمسين درهما ، فقلنا لها : أحسني ، فقالت : بخمسة دراهم ، فقلنا لها : تهزئين ؟ فقالت : لا واللّه ، ولكن سألتموني الإحسان ، ولو أمكنني لما أخذت شيئا . فقال ابن الجلاء : أيش معكم ؟ قلنا : ستمائة درهم . فقال : أعطوها واتركوا الشاة عليها . فما سافرنا سفرا أطيب منها . سبحانك اللهم وبحمدك ، لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك . استنصار دوس ذي ثعلبان قيصر ملك الروم على ذي نواس روينا من حديث ابن إسحاق ، عن المكي ، عن سعيد بن جبير ، وعكرمة ، عن ابن عباس ، أن زرعة ذا نواس لما قتل أصحاب الأخدود وقد ذكرنا قصته في هذا الكتاب ، أفلت رجل منهم يقال له دوس ذو ثعلبان ، فذهب على فرس له يركض عليه حتى أعجزهم في الرمل ، فأتى قيصر فذكر له ما بلغ منهم ذو نواس ، واستنصره ، فقال : بعدت بلادك ، ونأت دارك عنّا ، ولكن سأكتب لك إلى ملك الحبشة ، فإنه على ديننا فينصرك . فكتب له إلى النجاشي يأمره بنصره . فلما قدم على النجاشي بعث معه رجلا من الحبشة يقال له