ابن عربي

3

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

الجزء الثاني [ تتمة محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ومن باب الحياء ما قرأته في كتاب المنقطعين إلى اللّه تعالى ، قال بعضهم : رأيت شيخا يأتي إلى باب المسجد ، فيصلي عنده ولا يدخل فيه ، فقلت له : يا شيخ ، ما لك لا تدخل المسجد ؟ قال : يا أخي ، خلوت يوما في بعض المساجد ، فأعجبتني خلوتي ، فإذا بمناد ينادي : يا شيخ ، أما تحتشم ؟ وقد عصيته ، تدخل بيته ، فما قدرت بعد على دخول مسجد حشمة وحياء . ومن باب الصبر وقع كسرى بن هرمز إلى بعض المسجونين : من صبر على النازلة كان كمن لم تنزل به ، ومن طوّل له في الحبل كان فيه عطبه ، ومن أكل بغير مقدار تلفت نفسه . موعظة في هذا الباب دخل ابن الزيات على الأفشين وهو محبوس فقال : اصبر لها صبر أقوام نفوسهم * لا تستريح بلا غلّ ولا قود قال الأفشين : من صحب الزمان لم ينج من خيره أو شره ، ووجد الكراهية والهوان . ثم قال : لم ينج من خيرها أو شرها أحد * فاذكر إساءتها إن كنت من أحد خاضت بك السنة الحمقاء غمرتها * فتلك أمواجها ترميك بالزبد حكي أن يوسف عليه السلام شكى إلى اللّه تعالى طول السجن ، فأوحى اللّه إليه : أنت حبست نفسك حين قلت : رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ، فلو قلت : العافية أحب إليّ لعوفيت . ثم أخرجه اللّه تعالى كما ذكره في كتابه العزيز ، فلما خرج من السجن ،