ابن عربي

4

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

واصطفاه العزيز ، أمر أن يكتب على باب السجن : هذه منازل البلوى ، وقبور الأحياء ، وشماتة الأعداء ، ومحزنة الأصدقاء . من كلام علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال يوما لابنه الحسن رضي اللّه عنه : يا بنيّ ، أبذل لصديقك كل المودة ، ولا تطمئن إليه كل الطمأنينة ، وأعطه كل المواساة ، ولا تفش له كل الأسرار . ومن كتاب التراجم إن عيسى عليه السلام قال : عاشروا الناس معاشرة ، إن عشتم حنّوا إليكم ، وإن متم بكوا عليكم . وأنشد : قد يمكث الناس دهرا ليس بينهم * ودّ فيزرعه التسليم واللطف يسلي الشقيقين طول النأي بينهما * وتلتقي شعب شتى فتأتلف وفي الحكمة القديمة ليس للعقلاء تنعم إلا بمودة الإخوان . وقال العباس بن جرير : المودة تعاطف القلوب ، وائتلاف الأرواح ، وإنس النفوس ، ووحشة الأشخاص عند تنائي اللقاء ، وظهور السرور بكثرة التزاور ، على حسب مشاكلة الجواهر ، يكون الاتفاق في الخصال . وروينا من حديث رباح بن عبيد اللّه ، قال : خرج عمر بن عبد العزيز قبل خلافته ، وشيخ متكئ على يده ، فقلت في نفسي : إن هذا الشيخ جاف ، فلما صلى ودخل لحقته ، فقلت : أصلح اللّه الأمير ، من الشيخ الذي كان متكئا على يدك ؟ فقال : يا رباح ، رأيته ؟ قلت : نعم ، قال : ما أحسبك يا رباح إلا رجلا صالحا ، ذاك أخي الخضر ، أتاني فأعلمني أني سألي أمر هذه الأمة ، وأني سأعدل فيها . وحكى محمد بن فضالة ، فيما رواه أبو نعيم ، أن عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز وقف براهب في الجزيرة في صومعة له ، قد أتى عليه فيها عمر طويل ، وكان ينسب إليه علم من الكتاب ، فهبط إليه ، ولم ير هابطا إلى أحد قبله ، فقال له : يا عبد اللّه ، أتدري لما هبطت إليك ؟ قال : لا ، قال : الحق بأبيك إنّا نجده في أئمة العدل بمنزلة رجب من أشهر الحرم . قال : فسرّه له أبو أيوب بن سويد ، فقال : ثلاثة متوالية : ذو القعدة ، والحجة ،