ابن عربي
27
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
واعتزاله الحرب ، فأبت خزاعة أن يقرّوهم ، ونفتهم عن الحرم كله . وقال عمرو بن لحيّ وهو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر لقومه : من وجد منكم جرهميا قد قارب الحرم فدمه هدر . ففزعت إبل مضاض بن عمرو بن الحارث الجرهمي من فنونا تريد مكة ، فخرج في طلبها حتى وجد أثرها قد دخلت مكة ، فمضى إلى الجبال من نحو جياد حتى ظهر على أبي قبيس يتبصر الإبل في بطن وادي مكة ، فأبصر الإبل تنحر وتؤكل لا سبيل له إليها ، فخاف إن هبط الوادي أن يقتل فولى منصرفا لأهله ، وأنشأ يقول : كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر ولم يتربع واسطا فجنوبه * إلى المنحنى من ذي الإزالة حاضر بلى نحن كنا أهلها فأزالنا * صروف الليالي والجدود العواثر وأبدلنا ربي بها دار غربة * بها الذئب يعوي والعدو المحاصر فإن تنثني الدنيا علينا بحالها * فإن لها حالا وفيها التشاجر فإن تمل الدنيا علينا بكلّها * سيصلح حال بعدنا وتشاجر ونحن ولّينا البيت من بعد ثابت * نطوف بذاك البيت والخير حاضر ملكنا فعزّزنا وأعظم بملكنا * فليس لحيّ غيرنا ثم فاخر فكنا ولاة البيت من بعد ثابت * بعزّ فما يخطى لدنيا المكاثر وأنكح جدّ خير شخص علمته * فأبناؤنا منه ونحن الأساهر فأخرجنا منها المليك بقدرة * كذلك بل للناس تجري المقادر أقول إذا نام الخليّ ولم أنم * إذا العرش لا يبعد سهيل وعامر وبدلت منهم أوجها لا أحبها * وحمير قد بدّلتها والبحاتر وصرنا أحاديثا وكنا بغبطة * كذلك غضتنا السنون الغوابر وسحّت دموع العين تبكي لبلدة * بها حرم أمن وفيها المشاعر بواد أنيس ليس يؤذي حمامة * تظل به آمنا وفيه العصافر وفيه وحوش لا ترام أنيسة * إذا خرجت منها فما أن تقادر فيا ليت شعري هل تعمّر بعدنا * جياد فمعضني سيله فالظواهر فبطن منى وحش كأن لم يسر به * مضاض ومن حيي عديّ عمائر وقال عمرو أيضا يذكر بكرا وغسان ومن خلفهم في مكة بعدهم : يا أيها الحيّ سيروا إن قصركم * أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا إنّا كما كنتم كنّا فغيّرنا * دهر فسوف كما صرنا تصيرونا حثّوا المطيّ وأرخوا من أزمّتها * قبل الممات وقصّوا ما تقصّونا