ابن عربي
26
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
وواسيتكم في الرعي والماء ، وإن أبيتم أقمت على كرهكم ، ثم لم ترتعوا معي إلا فضلا ، ولم تشربوا معي إلا زيفا ، وإن قاتلتموني قاتلتكم ، ثم إن ظهرت عليكم سبيت النساء ، وقتلت الرجال ، ولم أترك منكم أحدا ينزل للحرم أبدا . فأبت جرهم أن يتركوه طوعا فاقتتلوا ثلاثة أيام ، وأفزع عليهم الصبر ، ومنعوا النصر ، ثم انهزمت جرهم ، فلم يلتفت منهم إلا الشريد ، وكان مضاض بن عمرو بن الحارث قد اعتزل جرهم ، ولم يعنهم في ذلك وقال : قد كنت أحذركم هذا . ثم رحل هو وولده وأهل بيته حتى نزلوا فنونا وحلى وما حول ذلك ، فبقايا جرهم بها إلى اليوم وأفنى جرهما السيف في تلك الحرب ، فأقام ثعلبة بمكة وما حولها في قومه وعساكره حولا ، فأصابتهم الحمى فشكوا إلى طريفة ما أصابهم ، فقالت لهم : قد أصابني الذي تشكون ، وهو مفرّق ما بيننا . قالوا : فما ذا تأمرين ؟ قالت : فيكم ومنكم الأمير ، وعلى التيسير . قالوا : فما تقولين ؟ قالت : فمن كان منكم ذا همّ بعيد ، وحمل شديد ، ومزاد جديد ، فليلحق بقصر عمان المشيد ، فكانت أزد عمان . ثم قالت : من كان منكم ذا جلد وقسر وصبر على أن يأتي الدهر ، فعليه بالإدراك من بطن مرة ، فكانت خزاعة . ثم قالت : من كان منكم يريد الراسيات في الوحل ، المطعمات في المحل ، فليلحق بيثرب ذات النخل ، فكانت الأوس والخزرج . ثم قالت : من كان منكم يريد الخمر والخمير ، والملك والتأمير ، ويلبس الديباج والحرير ، فليلحق ببصرى وغوير ، وهما من أرض الشام ، فكان الذي سكنوها جفنة من غسان . ثم قالت : من كان منكم يريد البنات الرقاق ، والخيل العتاق ، وكنوز الأوراق ، والدم المهراق ، فليلحق بأرض العراق . فكان الذي سكنها آل جذيمة الأبرش ، ومن كان بالحيرة من غسان ، وآل مخرق ، حتى جاءهم روّادهم ، فافترقوا من مكة فرقتين : فرقة توجهت إلى عمان وهم أزد عمان ، وسار ثعلبة بن عمرو بن عامر نحو الشام ، فنزل الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر ، وهم الأنصار بالمدينة ، ومضت غسان فنزلوا الشام ، وانخزعت خزاعة بمكة ، فأقام بها ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر وهو لحيّ ، فولي أمر مكة وحجابة الكعبة ، فلما حازت خزاعة أمر مكة ، وصاروا أهلها ، جاءهم بنو إسماعيل ، وقد كانوا اعتزلوا حرب جرهم وخزاعة ، فلم يدخلوا في ذلك ، فسألوهم السكنى معهم وحولهم ، فأذنوا لهم ، فلما رأى ذلك مضاض بن عمرو بن الحارث ، وقد كان أصابه من الصبابة إلى مكة ما أحزنه ، أرسل إلى خزاعة يستأذنها في الدخول إليهم والنزول معهم بمكة في جوارهم ، وبث إليهم براءته وتوزيعه قومه عن القتال ، وسوء السيرة في الحرم ،