ابن عربي

25

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

قبّلها ، فمسخا حجرين ، فرق أمرهم فيها وضعفوا ، وتنازعوا أمرهم بينهم واختلفوا ، وكانوا قبل ذلك من أعزّ حيّ في العرب ، وأكثره رجالا وأموالا وسلاحا ، وأعزه غرة . فلما رأى ذلك رجل منهم يقال له مضاض بن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو ، قام فيهم خطيبا فوعظهم وقال : يا قوم ، اتقوا على أنفسكم ، وراقبوا اللّه في حرمه وأمنه ، فقد رأيتم وسمعتم من هلك من صدر هذه الأمم قبلكم ، قوم هود وصالح وشعيب ، فلا تفعلوا ، وتواصلوا ، وتواصوا بالمعروف ، وانهوا عن المنكر ، ولا تستخفّوا بحرم اللّه تعالى وبيته ، ولا يغرّنكم ما أنتم فيه من الأمن . وبالغ في وعظهم ، فما ازدادوا إلا طغيانا وتجبّرا ، فلما رأى ذلك مضاض منهم ، عمد إلى غزالين كانا في الكعبة من ذهب ، وأسياف ، فدفنها في موضع زمزم ، وكان زمزم إذ ذاك قد ذهب ماؤه ودرس ، فبينما هم كذلك إذ كان من أهل مأرب ما ذكر أنه ألقت طريفة الكاهنة إلى عمرو بن عامر ، وهو الذي يقال له مرتقب ابن ماء السماء ، وهو عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد بن الغوث ابن بنت مالك بن زيد بن كهلان بن ساس بن يعرب بن قحطان ، وكانت رأت في كهانتها أن سدّ مأرب سيخرب ، وأنه سيأتي سيل العرم فيخرب الجنتين . وقال فيما حدثه أبو زيد الأنصاري أن عمرا رأى جردا يحفر في سدّ مأرب الذي كان يحبس عليهم الماء ، فعلم أنه لا بقاء للسدّ على ذلك ، فباع أمواله ، وسار هو وقومه من بلد إلى بلد ، لا يطول بلدا إلا غلبوا عليه ، وقهروا أهله حتى يخرجوا منه ، فلما قاربوا مكة ساروا ومعهم طريفة الكاهنة . فقالت لهم : سيروا ، سيروا ، فلن تجتمعوا أنتم ومن خلفتم أبدا ، فهم لكل أصل ، وأنتم لهم فرع ، ثم قالت الكاهنة : وحق ما أقول ما علمني ما أقول إلا الحكيم المحكم رب جميع الإنس من عرب وعجم . قالوا لها : ما شأنك يا طريفة ؟ قالت : خذوا البعير الشذقم فخضبوه بالدم ، تسكنوا أرض جرهم جيران بيته المحرم . قال : فلما انتهوا إلى مكة ، وأهلها جرهم قد قهروا الناس ، وحازوا ولاية البيت على بني إسماعيل وغيرهم ، أرسل إليهم ثعلبة بن عمرو بن عامر : يا قوم ، إنّا قد خرجنا من بلادنا ، فلم ننزل بلدا إلا فسح أهلها لنا ، وتزحزحوا عنّا ، فنقيم معهم حتى نرسل روّادنا فيرتادون لنا بلدا يحملنا ، فأفسحوا لنا في بلادكم حتى نقيم بقدر ما نستريح ، ونرسل روّادنا إلى الشام وإلى الشرق ، فحيث ما بلغنا أنه أمثل لحقنا به ، وأرجو أن يكون مقامنا معكم يسيرا . فأبت جرهم ذلك ، وبعثوا إليهم أن ارحلوا عنّا ، فأرسل إليهم ثعلبة أنه لا بدّ لي من المقام في هذا البلد حولا ، حتى ترجع إليّ رسلي ، فإن تركتموني طوعا نزلت وحمدتكم ،