ابن عربي

18

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

زمان يمر وعيش يمر * ودهر يكر بما لا يسر ونفس تذوب وهم ينوب * ودنيا تنادي بأن ليس حر ومن وقائع بعض الفقراء ما حدثنا به عبد اللّه المروزي قال : قال لي بعض الصالحين : رأيت في واقعتي أبا مدين ، وأبا حامد ، وجماعة من الصوفية ، فقالوا لأبي مدين : قل لنا في التوحيد شيئا ، فقال أبو مدين : التوحيد همة المرسلين والنبيين ، وهو سر الخلفاء الصديقين ، وقطب الورثة من العارفين ، به حنّت أسرارهم إلى الحضرة الإلهية ، وبه انكشفت لهم الأمور الربانية ، فأمدهم بالحياة والقيومية ، وأظهر لهم أسرارا لا تكاد تطيقها الأرواح البشرية ، منها السر القائم بالوجود الذي منه بدأ وإليه يعود ، ووراء ذلك أسرار لا ينبغي بثّها ، ولا يليق بالعارف كشفها ، إذ هي أسرار إذا طالعها اضمحلت رسومه ، وتلاشت أفكاره وعلومه ، وفني ما هو محصور مقيد ، وبقي الواحد الفرد الصمد فالعارف المحقق الذي يسير بسيره ، ولم يكن له في قلبه متسع لغيره ، هو قلبه وحياته ، وبه حسنت أخلاقه وصفاته ، فكثيفه ظاهر لكل كثيف ، ولطيفه يلاحظ أسرار اللطيف ، فتوحيد العارفين محض التحقيق ، والقصد القصد بلا تخليق ، ففي التخليق فناء العمر ، وفي القصد الوصول والظفر . فالعارف مقيم بين الخلق بجسمه ، ومسافر إلى جمال الحضرة العلية بسرة ، فثمرة هذا التوحيد مناله بالسفر فيه تشرفوا وتنعموا ، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام : « سافروا تصحوا وتغنموا » ، فغنيمة العارف تظهر عليه بالصفات والنعوت ، إن اختبرته وجدته باللّه قائل ، وإن تحققته ألفيته مع سيده كالميت بين يدي الغاسل . وروينا من حديث الهاشمي ، بلغ به النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إياكم وفضول المطعم ، فإن فضول المطعم يسم القلب بالقسوة ، ويبطئ بالجوارح عن الطاعة ، ويصم الهمم عن سماع الموعظة . وإياكم وفضول النظر ، فإنه يبذر الهوى ، ويولد الغفلة ، وإياكم واستشعار الطمع ، فإنه يشرب القلب شدة الحرص ، ويختم على القلب بطابع حب الدنيا ، فهو مفتاح كل سيئة ، وسبب إحباط كل حسنة » . وأنشدني محمد بن عبد الواحد لبعضهم : وأحيائي من عليم * ليس يخفى عنه حالي منطقي يبدي جميلا * والبلايا في فعالي ليت شعري ما اعتذاري * يوم أدعى للسؤال كيف قولي وجوابي * كيف فعلي واحتيالي ليتني لم أك شيئا * قبل تحقيق السؤال