ابن عربي

19

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

ومن حسن التلطف في المكاتبة ما ذكره إسماعيل بن أبي شاكر قال : لما أصاب أهل مكة السيل الذي شارق الحجر ، ومات تحته خلق كثير ، كتب عبد اللّه بن الحسن العلوي ، وهو والي الحرمين ، إلى المأمون : يا أمير المؤمنين ، إن أهل حرم اللّه ، وجيران بيته ، وآلاف مسجده ، وعمرة بلاده ، قد استجاروا بعزّ معروفك من سيل تراكمت جريانه في هدم البنيان ، وقتل الرجال والنسوان ، واجتاح الأصول ، وجرف الأثقال حتى ما ترك طارفا ولا تالدا للراجع إليها في مطعم ولا ملبس ، فقد شغلهم طلب الغذاء عن الاستراحة إلى البكاء على الأمهات والأولاد ، والآباء والأجداد ، فأجرهم أمير المؤمنين بعطفك عليهم ، وإحسانك إليهم ، تجد اللّه مكافئك عنهم ، ومثيبك عن الشكر منهم . قال : فوجّه المأمون إليهم بالأموال الكثيرة ، وكتب إلى عبد اللّه : أما بعد ، فقد وصلت شكيتك لأهل حرم اللّه إلى أمير المؤمنين ، فبكاهم بقلب رحمته وأنجدهم بسيب نعمته ، وهو متّبع لما أسلف إليهم ، بما يخلفه عليهم ، عاجلا وآجلا ، أن أذن اللّه في تثبيت نيته على عزمه . قال : فكان كتابه هذا أسرّ لأهل مكة من الأموال التي أنفذها إليهم . ومن حسن الجواب ما حكي أن أمير المؤمنين وقف على امرأة من بني ثعل ، فقال لها : ممن العجوز ؟ قالت : من طي . قال : ما منع طيّا أن يكون فيها مثل حاتم ؟ قالت : الذي منع العرب أن يكون فيها آخر مثلك ، فأعجب بقولها ووصلها . وقال معاوية حين أتاه سعيد بن مرّة الكندي : أنت سعيد ؟ فقال : أمير المؤمنين أسعد ، وأنا ابن مرّة . وقال الحجاج للمهلب : أنا أطول أم أنت ؟ قال : الأمير أطول ، وأنا أبسط قامة منه . وقيل للعباس بن عبد المطلب : أنت أكبر أم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ قال : هو عليه السلام أكبر مني ، وأنا ولدت قبله . قيل : دخل سيد ابن أنس على المأمون ، فقال له المأمون : أنت السيد ؟ قال : أنت السيد يا أمير المؤمنين ، وأنا ابن أنس .