ابن عربي

14

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

ولا يزال حمام باللوا غرد * يهيج مني فؤادا طال ما سكنا وأنشد محمد بن مالكون لبعضهم في ذلك : إذا ما ذكرت الثغر فاضت مدامعي * وأضحى فؤادي نهبة للهماهم حنينا إلى أرض بها اخضرّ شاربي * وحلت بها عني عقود التمائم وأنشد ابن سكرة لبعضهم في ذلك : يقرّ بعيني أن أرى في مكانه * ذرى عطفات الأجرع المتقاود وإن أرد الماء الذي عن شماله * طروقا وقد مل السرى كل واحد وألصق أحشائي ببرد ترابه * وإن كان ممزوجا بسم الأساود خبر عبد اللّه بن الثامر والأخدود من حديث ابن إسحاق حدثني يزيد بن زياد ، عن محمد بن كعب القرظي ، قال : كان أهل نجران أهل شرك ، يعبدون الأوثان ، وكان في قرية من قراها قريبا من نجران ، فإن نجران هي القرية العظمى ، يأتي إليها جماعة أهل تلك البلاد ساحر ، يعلّم غلمان أهل نجران السحر ، فلما نزلها ميمون قالوا : رجل ابتنى خيمة بين نجران وبين ملك القرية التي بها الساحر ، فجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلّمهم السحر ، فبعث الثامر ابنه عبد اللّه بن ثامر مع غلمان أهل نجران ، فكان إذا مرّ بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من صلاته وعبادته ، فجعل يجلس إليه ويسمع منه حتى أسلم ، فوحّد اللّه وعبده ، وجعل يسأله عن شرائع الإسلام ، حتى إذا فقه فيهم جعل يسأله عن الاسم الأعظم ، وكان يعلّمه ، فكتمه إياه ، وقال له : يا ابن أخي ، إنك إن تحمله أخشى ضعفك عنه ، والثامر أبو عبد اللّه يظن أن ابنه يختلف إلى الساحر كما تختلف الغلمان ، فلما رأى عبد اللّه أن صاحبه قد ضنّ به عليه ، وتخوّف ضعفه عنه ، عمد إلى قداح فجمعها ، ثم لم يبق للّه اسما يعلمه إلا كتبه على قدح ، لكل اسم قدح ، حتى إذا أحصاها أوقد لها نارا ، فجعل يقذفها فيها قدحا قدحا ، حتى إذا مرّ بالاسم الأعظم قذف فيها بقدحه ، فوثب القدح حتى خرج منها لم يضرّه شيء ، فأخذه ثم أتى صاحبه ، فأخبره أنه قد علم الاسم الذي كتمه ، فقال : وما هو ؟ قال : هو كذا وكذا ، قال : وكيف علمته ؟ فأخبره بما صنع ، قال : أي ابن أخي ، قد أصبته ، فأمسك على نفسك ، وما أظن أن تفعل ، فجعل عبد اللّه بن الثامر إذا دخل نجران لم يبق أحد به ضرر إلا قال له عبد اللّه : أتوحّد اللّه ، وتدخل في ديني ، وأدعو اللّه فيعافيك مما أنت فيه من البلاء ؟ فيقول : نعم ، فيوحّد اللّه ويسلم ، ويدعو له فيشفى ، حتى لم يبق بنجران أحد به