ابن عربي

15

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

ضرر إلا أتاه ، فأتبعه على أمره ودعا له فعوفي ، حتى رفع شأنه إلى ملك نجران ، فدعاه ، فقال له : أفسدت عليّ أهل قريتي ، وخالفت ديني ودين آبائي ، لأمثلنّ بك . قال : لا تقدر على ذلك ، قال : فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيطرح على رأسه ، فيقع على الأرض ليس به بأس ، وجعل يبعث به إلى مياه نجران ، بحور لا يقع فيها شيء إلا هلك ، فيلقى فيها فيخرج ليس به بأس . فلما غلبه ، قال له عبد اللّه بن الثامر : إنك واللّه لا تقدر على قتلي حتى توحّد اللّه ، فتؤمن بما آمنت به ، فإنك إن فعلت سلّطت عليّ فقتلتني . قال : فوحّد اللّه ذلك الملك ، وشهد شهادة عبد اللّه بن الثامر ، ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله ، وهلك الملك مكانه . فاجتمع أهل نجران على دين عبد اللّه بن الثامر ، وكان على ما جاء به عيسى ابن مريم عليه الصلاة السلام من الإنجيل وحكمه ، فسار إليهم ذو نواس ذرعة بن شنار بجنوده ، فدعاهم إلى اليهودية وخيّرهم بين ذلك والقتل ، فاختاروا القتل ، فخذلهم ، فحرق بالنار ، وقتل بالسيف ، ومثّل بهم حتى قتل منهم قريبا من عشرين ألفا ، وفيه نزل قوله تعالى : قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ . والأخدود : الحفر الطويل في الأرض كالخندق ، والجمع أخاديد . قال ابن إسحاق : فحدثني عبد اللّه بن أبي بكر بن محمد عمرو بن حزام ، أنه حدّث أن رجلا من أهل نجران في زمن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، حفر خربة من خرد نجران لبعض حاجة ، فوجد عبد اللّه بن الثامر تحت الحفيرة التي دفن فيها قاعدا ، واضعا يده على ضربة في رأسه ، ممسكا عليها بيده ، فإذا أخّرت يده عنها تنبعث دماء ، وإذا أرسلت يده ردّها عليها فأمسكت دمها ، في يده خاتم مكتوب فيه : ربي اللّه . فكتب به إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يخبره بأمره ، فكتب إليهم : إن أقرّوه على حاله ، وردّوا عليه الدفن الذي كان عليه ، ففعلوا . وممن قتله القرآن ما حدثنا به عبد الرحمن بن علي كتابة ، عن عمر بن ظفر ، عن جعفر بن أحمد ، عن عبد العزيز بن علي ، عن علي بن عبد اللّه ، عن محمد بن داود ، عن أبي زكريا الشيرازي ، قال : تهت في بادية العراق أياما كثيرة لم أجد شيئا أرتفق به ، فلما كان بعد أيام رأيت في الفلاة خباء شعر مضروبا ، فقصدته ، فإذا ببيت وعليه شيء مسبل ، فسلّمت ، فردّت عليّ عجوز من داخل الخباء ، فقالت : يا إنسان ، من أين أقبلت ؟ قلت : من مكة ، قالت : وأين تريد ؟ قلت : الشام ، قالت : أرى شبحك شبح إنسان بطّال ، ألا لزمت زاوية تجلس فيها إلى