ابن عربي
11
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
ويعلمون أنه يسمى فيها الماحي ، لا يبقى شيء من الشرك إلا محي به في زمنه ، ثم تجلت عنه في أسرع وقت ، فإذا أنا به مدرج في ثوب صوف أبيض أشد بياضا من اللبن ، وتحته حريرة خضراء ، وقد قبض على ثلاثة مفاتيح من اللؤلؤ الرطب الأبيض ، وإذا قائل يقول : قبض محمد صلى اللّه عليه وسلم على مفاتيح النصرة ، ومفاتيح الريح ، ومفاتيح النبوة . ثم أقبلت سحابة أخرى أعظم من الأولى ، ونور يسمع فيها صهيل الخيل ، وخفقان الأجنحة من كل مكان ، وكلام الرجال ، حتى غشيته ، فغيّب عن عيني أكثر وأطول من المدة الأولى ، فسمعت مناديا ينادي : طوفوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم الشرق والغرب ، وعلى مواليد النبيين ، وأعرضوه عن كل روحاني من الجن والإنس ، والطير والسباع ، وأعطوه صفاء آدم ، ورقّة نوح ، وخلة إبراهيم ، ولسان إسماعيل ، وصبر يعقوب ، وجمال يوسف ، وصوت داود ، وصبر أيوب ، وزهد يحيى ، وكرم عيسى ، واغمروه في أخلاق النبيين . ثم تجلت عنه في أسرع من طرفة عين ، فإذا أنا قد قبض على حريرة خضراء مطوية طيا شديدا ، ينبع من تلك الحريرة ماء معين ، وإذا قائل يقول : بخخ بخخ ، قبض محمد صلى اللّه عليه وسلم على الدنيا كلها ، لم يبق خلق من أهلها إلا دخل في قبضته ، طائعا بإذن اللّه عز وجل ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه . قالت آمنة : فبينما أنا أتعجب إذا أنا بثلاثة نفر ، ظننت أن الشمس تطلع من خلال وجوههم ، في يد أحدهم إبريق من فضة ، وفي ذلك الإبريق ريح المسك ، وفي يد الثاني طست من زمرد أخضر ، عليها أربع نواحي ، في كل ناحية من نواحيها لؤلؤة بيضاء ، وإذا قائل يقول : هذه الدنيا شرقها وغربها ، برها وبحرها ، فاقبض يا حبيب اللّه على أي ناحية شئت ، قالت : قدرت لأنظر أين قبض من الطست ؟ فإذا هو قد قبض على وسطها ، فسمعت قائلا يقول : قبض على الكعبة ورب الكعبة ، أما إن اللّه تبارك وتعالى قد جعلها له قبلة ومسكنا مباركا . قالت : ورأيت في يد الثالث حريرة بيضاء مطوية طيا شديدا ، فنشرها فأخرج منها خاتما تحار أبصار الناظرين دونه ، ثم حمل ابني فناوله صاحب الطست ، وأنا أنظر إليه فغسله بذلك الإبريق سبع مرات ، ثم ختم بين كتفيه بالخاتم ختما واحدا ، ولفه في الحريرة ، واستدار عليه خيطا من المسك الأذفر ، ثم حمله فأدخله بين أجنحته ساعة . قال ابن عباس : كان ذلك رضوان خازن الجنان . قالت : وقال في أذنه كلاما كثيرا لم أفهمه ، وقبّل بين عينيه ، ثم قال : أبشر يا محمد ، فما بقي لبني علم إلا وقد أعطيته ، فأنت أكثرهم علما ، وأشجعهم قلبا ، معك مفاتيح النصرة ، وقد ألبست الخوف والرعب ، فلا يسمع أحد بذكرك إلا وجلّ فؤاده وخاف قلبه ، وإن لم يرك يا رسول اللّه . قالت : ثم رأيت رجلا قد