ابن عربي
12
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
أقبل نحوه ، حتى وضع فاه على فيه ، فجعل يزقه كما تزق الحمام فرخها ، فكنت أنظر إلى ابني يشير بإصبعه ، يقول : زدني زدني ، فزقه ساعة ، ثم قال : أبشر يا حبيب اللّه ، فما بقي لبنيّ حلم إلا وقد أوتيته ، ثم احتمله فغيّبه عني ، فجزع فؤادي ، وذهل قلبي فقلت : ويح قريش ، والويل لها ، ماتت كلها ، أنا في ليلتي وفي ولادتي ، أرى ما أرى ويصنع بولدي ما يصنع ، ولا يقربني أحد من قومي ، إن هذا لهو العجب العجاب ، قالت : فبينا أنا كذلك إذا أنا به قد ردّ عليّ كالبدر ، وريحه يسطع كالمسك ، وهو يقول : خذيه ، فقد طافوا به الشرق والغرب ، وعلى مواليد النبيين أجمعين ، والساعة كان عند أبيه آدم ، فضمه إليه ، وقبّل بين عينيه ، وقال : أبشر حبيبي ، فأنت سيد الأولين والآخرين ، ومضى ، وجعل يلتفت ، ويقول : أبشر يا عزّ الدنيا ، وشرف الآخرة ، فقد استمسكت بالعروة الوثقى ، فمن قال بمقالتك ، وشهد بشهادتك ، حشر غدا يوم القيامة تحت لوائك ، وفي زمرتك ، وناولنيه ، ومضى ، ولم أره بعد تلك المرة . زاد العباس رضي اللّه عنه في حديثه ، قلت : يا آمنة ، ما الذي رأيت في ولادتك من علامة هذا الصبي ؟ فقالت : رأيت علما من سندس على قضيب من ياقوت ، قد ضرب بين السماء والأرض ، ورأيت نورا ساطعا من رأسه قد بلغ السماء ، ورأيت قصور الشام كلها شعلت نارا ، ورأيت قربي سربا من القطا قد سجدت له ، ونشرت أجنحتها ، ورأيت نابغة شعيرة الأسدية ، قد مرت وهي تقول : ما لقي الأصنام والكهان من ولدك هذا ؟ هلكت شعيرة ، والويل للأصنام ، ثم الويل لها ، ورأيت شابا من أتم الناس طولا ، وأشدهم بياضا ، فأخذ المولود مني ، فتفل في فيه ، ومعه طاس من ذهب ، فشق بطنه ثم أخرج قلبه فشقه شقا ، فأخرج منه نكتة سوداء ، فرمى بها ، ثم أخرج صرة من حرير أخضر ففتحها ، فإذا فيها شيء كالدرّة البيضاء ، فحشاه به ، ثم ردّه إلى مكانه ، ثم مسح على بطنه ، فاستيقظ ، فنطق فلم أفهم ما قال ، إلا أنه قال : أنت في أمان اللّه ، وحفظ اللّه ، وكلامه ، قد حشوتك علما ، وحلما ، ويقينا ، وإيمانا ، وعقلا ، وشجاعة ، وأنت خير البشر ، فطوبى لمن اتبعك ، وآمن بك ، وعرفك ، والويل ثم الويل ، قالها سبع مرات ، لمن تخلف عنك ، وخرج منها ولم يعرفك ، ثم تفل فيه أخرى تفلة شديدة ، ثم ضرب الأرض ضربة ، فإذا هو بماء أشد بياضا من اللبن ، فغمسه في ذلك الماء ثلاث غمسات ، فما ظننت إلا أنه قد غرق ، وما من مرة يخرجه إلا رأيت ضوء وجهه كالشمس الطالعة ، ولقد رأيت بريق وجهه يقع على قصور الشام كوقوع الشمس الحديث ، ثم قال : أمرني ربي عز وجل أن أنفخ فيك بروح القدس ، فنفخ فيه ، فألبسه قميصا ، فقال : هذا أمانك من آفات الدنيا ، الحديث رواه أحمد بن أبي عبد اللّه ، عن محمد بن عبد اللّه بن جعفر ، عن محمد بن أحمد بن أبي يحيى ، عن