ابن عربي
46
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
وسئل عليه السلام حينئذ عما تقدم بعضه على بعض في الرمي والحلق والنحر والإفاضة ، فقال في كل ذلك : « لا حرج » ، وكذلك أيضا فقال : « في تقدم السعي بين الصفا والمروة قبل الطواف بالكعبة » ، وأخبر عليه السلام بأن اللّه تعالى أنزل الداء والدواء إلا الهرم ، وعظم إثم من افترض عرض مسلم ظلما ، فأقام هنالك باقي يوم السبت ، وليلة الأحد ، ويوم الأحد ، وليلة الاثنين ويومه ، وليلة الثلاثاء ويومه ، وهذه هي أيام منى ، وهي أيام التشريق ، برمي الجمار الثلاثة كل يوم من هذه الأيام الثلاثة بعد الزوال ، بسبع حصيات كل يوم لكل جمرة ، يبدأ بالكبرى ، وهي تلي مسجد منى ، ويقف عندها للدعاء طويلا ، ثم التي تليها ، وهي الوسطى ، ويقف عندها للدعاء كذلك ، ثم جمرة العقبة ، ولا يقف عندها ، وكبّر عليه السلام مع كل حصاة ، وخطب الناس أيضا يوم الأحد الثاني من النحر ، وهو يوم الروس . وقد روي أنه عليه السلام خطبهم أيضا يوم الاثنين ، فأوصى بالأرحام خيرا . وأخبر عليه السلام أنه لا تجني نفس على أخرى . فاستأذنه عمه العباس في المبيت بمكة ليالي منى المذكورة من أجل سقايته ، وأذن له عليه السلام وأذن للدعاء أيضا في مثل ذلك . ثم نهض عليه السلام بعد زوال الشمس من يوم الثلاث المؤرخ ، وهو آخر أيام التشريق ، وهو الثالث عشر من ذي الحجة ، وهو يوم النفر إلى المحصّب ، وهو الأبطح ، فضرب بها قبّة ، ضربها أبو رافع مولاه ، وكان على ثقله عليه الصلاة والسلام ، وقد كان عليه الصلاة والسلام قال لأسامة إنه ينزل غدا بالمحصّب خيف بني كنانة ، وهو المكان الذي ضرب فيه أبو رافع القبّة ، وفاقا من اللّه عز وجل ، دون أن يأمره النبي صلى اللّه عليه وسلم بذلك ، وحاضت صفية ليلة النحر بعد أن أفاضت ، فأخبر بذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم عليّ ، فسأل : « أفاضت يوم النحر ؟ » ، فقيل له : نعم . فأمرها أن تنفر ، وحكم فيمن كانت حالته كذلك أن تنفر أيضا ، وصلى عليه الصلاة والسلام بالمحصب بالظهر والعصر والمغرب والعشاء الأخيرة من ليلة الأربعاء المذكورة ، ورقد رقدة . ولما كان يوم النحر والنفر رغبت إليه عائشة رضي اللّه عنها بعد أن طهرت أن يعمرها عمرة مفردة ، فأخبرها عليه الصلاة والسلام أنها قد حلّت من عمرتها وحجتها ، فإن طوافها يكفيها ، ويجزئها لحجتها وعمرتها ، فأبت إلا أن تعتمر عمرة مفردة ، فقال لها : « ألم تكوني طفت ليالي قدمت ؟ » ، قالت : لا . فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنهما بأن يردفها ويعمرها من التنعيم ، ففعلا ذلك . وتطهر النبي صلى اللّه عليه وسلم بأعلى مكة حتى انصرفت من عمرتها تلك ، فقال لها : « هذا مكان