ابن عربي

47

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

عمرتك » ، وأمر الناس أن لا ينصرفوا حتى يكون آخر عهدهم الطواف بالبيت ، ورخص في ترك ذلك للحائض التي قد طافت طواف الإفاضة قبل حيضتها ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام دخل مكة في ليلة الأربعاء المذكورة ، فطاف بالبيت طواف الوداع لم يرمل في شيء منه سحرا قبل صلاة الصبح من يوم الأربعاء المذكورة ، ثم خرج من كدا أسفل مكة من الثنية السفلى ، والتقى صلى اللّه عليه وسلم بعائشة رضي اللّه عنها وهي ناهضة إلى الطواف المذكور ، وهي راجعة من تلك العمرة التي ذكرنا ، ثم رجع عليه الصلاة والسلام وأمر بالرحيل ، ومضى عليه الصلاة والسلام من فوره ذلك راجعا إلى المدينة ، وخرج من مكة من الثنية السفلى ، فكانت مدة إقامته عليه الصلاة والسلام بمكة منذ دخلها إلى أن خرج إلى منى ، إلى عرفات ، إلى مزدلفة ، إلى منى ، إلى المحصّب ، إلى أن وجّه راجعا ، عشرة أيام ، فلما أتى ذا الحليفة ، بات بها ، ثم لما رأى المدينة كبّر ثلاثا ، وقال : « لا إله إلا اللّه وحده ، لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير . أنيبوا تائبون عابدون ساجدون لربنا ، حامدون ، صدق اللّه وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده » ، ثم دخل عليه الصلاة والسلام المدينة نهارا من طريق المعرس . والحمد للّه رب العالمين وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ، وسلم تسليما كثيرا . ( انتهى حديث محمد ) . وروينا من حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما في هذه الحجة ، أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أخذ بحلقة باب الكعبة ، ثم أقبل بوجهه على الناس ، فقال : « يا معشر المسلمين ، إن من أشراط القيامة إماتة الصلاة ، واتباع الشهوات ، وتكون أمراء خونة ، ووزراء فسقة » ، فوثب سلمان الفارسي رضي اللّه عنه ، فقال : بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه ، إن هذا ليكون ؟ قال : « نعم يا سلمان ، وعندها يكون المنكر معروفا ، والمعروف منكرا » . قال : أو يكون ذلك ؟ قال : « نعم يا سلمان ، وعندها يذوب قلب المؤمن في جوفه كما يذوب الملح في الماء ، مما يرى ولا يستطيع أن يغيّره » . قال : أو يكون ذلك ؟ قال : « نعم يا سلمان ، ويؤتمن الخائن ، ويخوّن الأمين ، ويصدّق الكاذب ، ويكذّب الصادق » . قال : أو يكون ذلك ؟ قال : « نعم يا سلمان ، إن أولي الناس قوم المؤمن بينهم يمشي بالمخافة ، إن تكلم أكلوه ، وإن سكت مات بغيظه . يا سلمان ، ما قدّست أمة لا تنتقم من قويّها لضعيفها » . قال : أفيكون ذلك ؟ قال : « نعم يا سلمان ، وعندها يكون المطر قيظا ، والولد غيظا ، وتفيض اللئام فيضا ، وتغيظ الكرام غيظا » . قال : أو يكون ذلك ؟ قال : « نعم يا سلمان ، عندها يعظم رب المال ، ويباع الدين بالدنيا ، وتلتمس الدنيا بعمل الآخرة ، ويكتفي الرجال بالرجال ، والنساء بالنساء ، وتركب ذوات الفروج السروج ، فعليهم من أمتي لعنة اللّه . يا سلمان ، عندها يلي أمتي قوم جثتهم جثة الناس ، وقلوبهم قلوب الشياطين ، إن تكلموا قتلوهم ، وإن سكتوا استباحوهم ، لا