ابن عربي

327

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

حدثنا ابن منصور ، عن أحمد بن علي ، عن الجوهري ، عن محمد بن عمران ، عن أحمد بن محمد بن عيسى المكي ، عن ابن خلّاد ، وذكره . وروينا من حديث ابن هشام : أنه لما طال البلاء على أهل اليمن من الحبش ، وهلك أرباط ، وأبرهة ، ومكسوم بن أبرهة ، ووليها مسروق بن أبرهة أخو مكسوم ، خرج سيف بن ذي يزن الحميري وكان يكنى بأبيمرة ، حتى قدم على قيصر ملك الروم ، فشكى إليه ما هم فيه وسأله أن يخرجهم عنه ، ويلهم هو ، ويبعث إليهم ما شاء إلى الروم ، فيكون له ملك اليمن ، فلم يشكه . فخرج حتى أتى النعمان بن المنذر وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العراق ، فشكى إليه أمر الحبشة ، فقال له النعمان : إن لي على كسرى وفادة في كل عام ، فأقم عندي حتى يكون ذلك ، ففعل ، ثم أدخله على كسرى ، وكان كسرى يجلس على إيوان مجلسه الذي فيه تاجه مثل القلقل العظيم فيما يزعمون ، والقلقل : الميكال يضرب فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ بالذهب والفضة ، معلقا بسلسلة من ذهب في رأس طاقة في مجلسه ، فكانت عنقه لا تحمل تاجه ، إنما يستر بالثياب حين يجلس في مجلسه ذلك ، ثم يدخل رأسه في تاجه ، فإذا استوى في مجلسه كشف عنه الثياب ، فلم يره رجل لم يره قبل ذلك إلا برك هيبة له . فلما دخل سيف بن ذي يزن برك . وفي حديث أبي عبيدة أن سيفا لما دخل عليه طأطأ رأسه ، فقال الملك : إن هذا أحمق يدخل عليّ من هذا البيت الطويل يطأطئ رأسه ، فقيل : هذا السيف ، فقال : إنما فعلت هذا لهمي لأنه يضيق عنه كل شيء . قال ابن هشام : قال ابن إسحاق : ثم قال : أيها الملك ، غلبنا على بلادنا الأغربة . قال كسرى : أي الأغربة ؟ الحبشة أم السند ؟ قال : بل الحبشة ، فجئتك لتنصرني ، ويكون ملك بلادي لك . قال : بعدت بلادك مع قلة خيرها ، فلم أكن لأربط جيشا من فارس بأرض العرب ، لا حاجة لي بذلك . ثم أجازه بعشرة آلاف درهم ، وكساه كسوة حسنة ، فلما قبض ذلك سيف خرج فجعل ينشر تلك الرقعة للناس ، فبلغ ذلك الملك ، فقال : إن هذا لشأنا ، ثم بعث إليه ، فقال : عمدت إلى حباء الملك تنشره للناس ، فقال : وما أصنع بهذا ؟ ما جبال أرضي التي جئت منها إلا ذهب وفضة يرغب فيها . فجمع كسرى مرازبته ، فقال : ما ذا ترون في أمر هذا الرجل ؟ وما حاله ؟ فقال قائل : أيها الملك ، إن في سجنك رجالا قد حبستهم للقتل ، فلو أنك بعثتهم معه ، فإن يهلكوا كان ذلك الذي أردت بهم ، وإن ظفروا كان ملكا ازددته . فبعث معه كسرى من كان في سجونه ، وكانوا ثمانمائة رجل ، استعمل عليهم وهزر ، وكان ذا سنّ فيهم ، وأفضلهم حبا وبيتا ، فخرج في ثمان سفاين ، فغرقت سفينتان ، ووصل إلى ساحل عدن ست سفاين ، فجمع