ابن عربي

325

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

بينما ابن آدم ينافس فيها قرير العين بها ، إذ دعاه اللّه بقدره ، ورماه بيوم حتفه ، فسلبه دنياه ، وصيّر لقوم آخرين مغناه ، إن الدنيا لا تسرّ بقدر ما تضرّ ، تسرّ قليلا وتجرّ حزنا طويلا . حدثنا يونس بن يحيى ، عن أبي بكر بن أبي منصور ، عن علي بن أحمد ، عن أبي عبد اللّه بن بطة ، عن أبي دريد ، عن أبي حاتم ، عن أبي عبيدة ، قال : أذن عبد الملك للناس إذنا عاما ، فدخل عليه رجل في هيئة أعرابي ، فقال : يا أبا الوليد ، بلغني أن عندك مالا ، فإن كان للّه فاقسمه في عباده ، وإن كان لك فتفضل عليهم ، وإن كان لهم فادفعه إليهم ، وإن كان بينك وبينهم فقد أسأت شركتهم ، ثم ولّى . فقال عبد الملك : اطلبوا الرجل ، فلم يقدروا عليه ، وأمر للناس بإعطائهم فكانوا يرون أنه منبه من عند اللّه أو الخضر ، واللّه أعلم . روينا من حديث أحمد بن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن العباس ، عن محمد بن يونس الكريمي ، عن ابن عثمان ، عن سلام بن مسكين ، عن مالك بن دينار ، أنه لقي بلال بن أبي بردة في الطريق والناس يطوفون حوله ، قال : أما تعرفني ؟ قال : بلى أعرفك ، أولك نطفة ، وآخرك جيفة ، وأسفلك دودة . قال : فهمّوا به أن يضربوه ، فقال لهم : هذا مالك بن دينار ، فترك ومضى . حدثنا أبو الفتوح في آخرين ، قالوا : حدثنا محمد بن عبد الباقي ، عن أحمد بن أحمد بن عبد اللّه ، عن الحسن بن علي بن الخطاب الورّاق ، عن محمد بن عثمان ، عن أبي شيبة ، عن إبراهيم بن عياش الكاتب ، عن الأصمعي ، عن أبيه ، قال : مرّ المهلب بن أبي صفرة على مالك بن دينار وهو يتبختر في مشيته ، فقال له مالك : أما علمت أن هذه المشية تكره الأبين الصفين ؟ فقال له المهلب : أما تعرفني ؟ فقال مالك : أعرفك أحسن المعرفة ، قال : وما تعرف مني ؟ قال : أما أولك نطفة مذرة ، وآخرك جيفة قذرة ، وأنت فيما بينهما تحمل العذرة . قال : فقال المهلب : الآن عرفتني حق المعرفة . حدثنا يوسف بن عبد الكريم بن الحسن بالموصل ، قال : قدمت بغداد واجتمعت ببعض خواص أمير المؤمنين المقتفي لأمر اللّه ، قد مرض مرضا شديدا ، فنوى إن أقاله اللّه أن يفعل خيرا ، ثم استقيل من ألمه وشفاه اللّه ، فشغله تدبير الأمور عن الوفاء بما نواه ، ثم مرض المرض الذي مات فيه . فتذكر ما نذر من الخير في مرضه الأول ، وما فرط في ذلك ، فبكى وأنشد : نرضي الإله إذا خفنا ونغضبه * إذا أمنا فما يزكو لنا عمل إذا مرضنا نوينا كل صالحة * وإن شفينا فمنا الزيغ والزلل