ابن عربي

312

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

تبغي أذاها واعسارها * وحولك غوث وأبغامها وإنّا لننعم أضيافنا * من الكوم بالسيف نعتامها مثل سائر : أجود من كعب بن أمامة حكي أن جوده قتله . وذلك أنه خرج في نفر فيهم رجل من النميري قاسط ، فخلصوا في قفر بلا ماء ، فأضرّ بهم العطش ، فجعل النميري يشرب ماءه ، فإذا أراد كعب أن يشرب نصيبه يقول : آثر أخاك النميري ، فيؤثره على نفسه ، حتى أضرّ به العطش . فلما رأى ذلك استحثّ ناقته ، وبادر حتى بانت له أعلام الماء . وقيل له : رد كعب فإنك وارد . فمات قبل أن يرد الماء ، ونجا رفيقه . وكان هذا كعب من إياد . وأنشدوا في هذا المعنى لأبي تمام : هو البحر من أي النواحي أتيته * فلجّته المعروف والجود ساحله كريم إذا ما جئت للعرف طالبا * حباك بما تحوي عليه أنامله ولو لم يكن في كفه غير نفسه * لجاد بها فليتقّ اللّه سائله حديث يحيى بن يحيى النيسابوري مع المأمون حدثنا أبو محمد بن عبد الرحمن ، ثنا عبد اللّه بن إسماعيل ، ثنا أبو الفرج بن علي ، أنبأ إسماعيل بن أحمد ، انا أحمد ، انا يوسف بن الحسن ، قال : سمعت أبا علي بن الحسين بن بندار يقول : كان الرشيد بعث إلى مالك بن أنس يستحضره ليسمع منه الأمين والمأمون ، فأبى وقال : إن العلم يؤتى ولا يأتي . فبعث إليه : أبعثهما إليك ؟ فقال : بشرط أن لا يتخطيا رقاب الناس ، ويجلسا حيث انتهى بهما المجلس . فحضروا ، وكان يحيى بن يحيى النيسابوري يحضر المجلس ، فحضر ، فانكسر قلمه يوما فناوله المأمون قلما ، فلم يقبل . فقال له : ما اسمك ؟ فقال : يحيى بن يحيى النيسابوري . فقال : أتعرفني ؟ قال : نعم ، أنت المأمون ابن أمير المؤمنين . فكتب المأمون على ظهر جزء : ناولت يحيى بن يحيى النيسابوري قلما في مجلس مالك فلم يقبله . فلما أفضت الخلافة إليه بعث إلى عامله بنيسابور أن تولي يحيى بن يحيى القضاء . فأرسل كتاب المأمون إليه ، فقال : قل لأمير المؤمنين : ناولتني قلما وأنا شاب فلم أقبل ، أفتجبرني على القضاء وأنا شيخ ؟ فرفع الخبر إلى المأمون فقال : رجلا يختاره . فاختار رجلا فولّي ، فجاء القاضي إلى يحيى يسلّم عليه ، فضمّ يحيى فراشا تحته .