ابن عربي

298

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

السير معه ، وأرادوا الرجعة إلى بلادهم وأهليهم . فكلموا أخا له يقال له عمرو ، فقالوا له : اقتل أخاك حسان ، ونملّكك علينا ، وترجع بنا إلى بلادنا ، فأجابهم ، فاجتمعوا على ذلك إلا ذو رعين الحميري ، فإنه نهاه عن ذلك فلم يقبل منه ، فقال ذو رعين في ذلك : ألا من يشتري سهرا بنوم * سعيد من يبيت قرير عين وأما حمير غدرت وخانت * فمعذرة الإله الذي رعين قال ابن إسحاق : ثم كتبها في رقعة وختم عليها ، ثم أتى بها عمرا ، فقال له : ضع لي هذا الكتاب عندك ، ففعل . ثم وثب عمرو على أخيه فقتله ، فسموه موثبان لوثوبه على أخيه . ورجع بمن معه إلى اليمن . قال الشاعر : لاه عين الذي رأى مثل حسا * ن قتيلا في سالف الأحقاب قتلته مقاول خشية الجيش * غزاة قالوا لباب اللّباب ميتكم خيرنا وحيّكم ربّ * علينا فكلكم أرباب قال ابن إسحاق : فلما نزل عمرو بن يبان اليمن ، منع منه النوم ، وسلّط عليه السهر . فلما جهد ذلك ، سأل الأطباء والعرّافين والحرازة من الكهّان عمّا به ، فقال له رجل منهم : إنه واللّه ما قتل رجل قط أخاه أو ذي قرابة بغيا على ما قتلت أخاك عليه إلا ذهب عنه نومه ، وسلّط عليه السهر ، فلما قيل له ذلك جعل يقتل كل من أمره بقتل أخيه حسان من أشراف اليمن ، حتى خلص إلى ذي رعين ، فقال له ذو رعين : إن لي عندك براءة ، قال : وما هي ؟ قال : الكتاب الذي دفعته لك . فأخرجه فإذا فيه البيتان ، فتركه ورأى أنه قد نصحه ، وهلك عمرو . لباب اللباب بلغة حمير : لا بأس . ويروى لياب بالياء نقطتين ، والمقاول : الملوك ، ولاه بمعنى للّه . حكي عن سيبويه أنه قال : يقولون : لاه أبوك ، بمعنى : للّه أبوك ، ويحذفون لام الإضافة واللام الأخرى . وممن عمل ليوم العقبة ، ما حدّثنا به يونس بن يحيى ، حدثنا محمد بن نصر ، ثنا أحمد بن الحسن بن حبروت ، قال : قرأت على ابن شادان أن أحمد بن كامل أخبره قال : ثنا محمد بن يونس ، عن الأصمعي ، عن شيبة بن شيبة ، قال : كنّا بطريق مكة وبأيدينا غذاء لنا في يوم صائف ، وإذا بأعرابي معه زنجية يقول لنا : أفيكم من يكتب لي كتابا ؟ قلنا له : أصب من غذائنا ، فإذا فرغنا كتبنا لك ما سألت . قال : إني صائم ، فتعجبنا من صومه في تلك البرية . فلما فرغنا من غذائنا دعوناه ، فقلنا له : ما تريد ؟ فقال : أيها الرجل ، إن الدنيا قد كانت ولم أكن فيها ، وستكون ولا أكون فيها . وإني أريد أن أعتق جاريتي هذه لوجه اللّه