ابن عربي

263

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

الجبروت ، تخلق بالأسماء والصفات ، وفني عنها بمشاهدة الذات ، هناك قراري ، ووطني ، وقرة عيني ، وسكني ، وبه دام فرحي ، وهو علانيتي وسرّي ، والممدّ لوجودي ، ومالكي ، ومعبودي ، أظهر في وجودي قدرته ، ورتب في بدائع صنعه حكمته ، فهو الباطن الظاهر ، الملك القاهر ، فمن رقت همته عن ملاحظة نفسه لم يلتفت إلى غده وأمسه ، وإنما هو ابن وقته ، بالحق سبحانه يجري عمله أفعاله ، وهو راض به مسرورا ، إذ لم يكن شيئا مذكورا ، فمن نزّه أقواله وأفعاله ، فقد صفى همته وأحواله ، فمن كان نطقه به يصول ، ومن كان هو دليله فقد نال الوصول ، ومن حقق نظره به يسمع وبه يقول ، ويسمع عنه ويسأل به منه ، إذ الوجود كله فاني والباقي فيه المعاني ، به كل شيء يعرف ، ولولاه لم يفهم ولم يوصف ، فهو المظهر سبحانه للأكوان ، وسرّ السرائر ، ومظهر الإعلان ، فرحمته لخلقه عامة ، ونعمته لهم شاملة تامة ، فهم فيها يغدون ويروحون ، وبأسباغها عليهم ظاهرة وباطنة يتنعّمون ، فكل شيء بجملتها يشهد له بالوحدانية ، ويقرّ له بالحدوث والعبودية ، هو سبحانه منطقها بكرمه ومجده ، وإن من شيء إلا يسبح بحمده . وأنشدنا من كتاب ابن زنجويه : أيا عجبا كيف يعصى الإل * ه أم كيف يجحده الجاحد وللّه في كل تحريكة * وتسكينة عالم شاهد وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد ذكر ما قيل على لسان الحرمين وحكم الجدي بينهما حدثنا محمد بن إسماعيل ، نبأ الحسن بن علي ، نبأ الحسن بن مخلف بن هبة اللّه قاسم الشامي ، نبأ الحسن بن أحمد بن فراس ، نبأ أبي عن أبيه إبراهيم بن فراس ، عن أبي محمد إسحاق بن نافع الخزاعي ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن المالكي ، عن محمد بن العباس المكي ، قال : أخبرني بعض مشايخي المكيين : أن داود بن عيسى بن موسى لما ولي مكة والمدينة وأقام بمكة ، وولي ابنه سليمان المدينة أقام بمكة عشرين شهرا ، فكتب إليه أهل المدينة ، وقال الزبير بن أبي بكر : كتب إليه يحيى بن مسكين بن أيوب بن محراق يسأله التحوّل إليهم ، ويعلمونه أن مقامه بالمدينة أفضل من مقامه بمكة . وأهدوا إليه في ذلك شعرا : قال شاعرهم يقول فيه : أداود قد فزت بالمكرمات * وبالعدل في بلد المصطفى