ابن عربي
236
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
النخلة ، وجعلت أقول لابن عم سيدي : ما تقول ؟ فغضب سيدي فلطمني لطمة شديدة ، ثم قال لي : ما لك ولهذا ؟ اقبل على عملك ، قال : قلت : لأي شيء أردت تستبين عما قال ؟ وكان عندي شيء قد جمعته ، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو بقبا ، فدخلت المسجد عليه فقلت له : بلغني أنك رجل صالح ، معك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة ، وهذا شيء عندي للصدقة ، فرأيتكم أحق به من غيركم ، ثم قرّبته إليه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « كلوا » ، وأمسك يده ولم يأكل ، قال : فقلت في نفسي : هذه واحدة ، ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا ، ولما تحوّل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة فجئته ، فقلت له : إني رأيتك لا تأكل الصدقة ، وهذه هدية أكرمتك بها ، قال : فأكل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأمر أصحابه فأكلوا معه ، قال : فقلت في نفسي : هاتان اثنتان ، قال : ثم جئت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو ببقيع الفرقد ، تبع جنازة رجل من أصحابه ، عليه شملتان ، فسلمت عليه ، ثم استدبرته أنظر إلى ظهره ، هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي ، فلما رآني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم استدبرته عرف أني استثبت في شيء وصف لي ، فألقى رداءه عن ظهره ، فنظرت إلى الخاتم فعرفته ، فأكببت عليه أقبّله وأبكي . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « تحوّل » ، فتحولت ، فجلست بين يديه ، فقصصت حديثي كما حدثتك يا ابن عباس ، فأعجب ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يسمع أصحابه . ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « كاتب يا سلمان » ، فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة ، أجيبها بالفقر ، وبأربعين أوقية ذهب ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أعينوا أخاكم » ، فأعانوني بالنخل : الرجل بثلاثين ، والرجل بخمسة عشر ، والرجل بقدر ما عنده ، حتى جمعوا ثلاثمائة ودية ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اذهب يا سلمان ففقّرها ، فإذا فرغت أكون أنا أضعها بيدي » ، قال : ففقرت لها ، فأعانني أصحابه ، حتى إذا فرغت جئته ، فأخبرته ، فخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم معي إليها ، فجعلنا نقرب له الوادي ، ويضعه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيده الشريفة ، حتى فرغنا ، فوالذي نفس سلمان بيده ما مات منها ودية واحدة ، فأديت النخل ، وبقي عليّ المال ، فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة من ذهب ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما فعل الفارسي المكاتب ؟ » ، قال : فدعيت له ، قال : « خذ هذه ، فأدّها بما عليك يا سلمان » ، قال : قلت : ما تقع هذه يا رسول اللّه مما عليّ ؟ قال : « خذها فإن اللّه سيؤدي بها عنك » ، فأخذتها فوزنت لهم منها ، والذي نفسي بيده أربعين أوقية ، فأوفيتهم حقهم ، وعتق سلمان ، فشهدت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الخندق وأحدا . ثم لما نعتني الفقر مخرج الماء من القناة ، فقرّت للودية تفقيرا ، وهو أن يحفر حفرة حول النخلة إذا غرست .