ابن عربي

225

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

آبائك من البلا ؟ أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى ، كم تملكت بكفيك وكم مرضت بيديك ؟ تبتغي لهم الدواء ، وتستوصف لهم الأطباء ، وتلتمس لهم الشفاء ، لم تنفعهم بطلبتك ، ولم تشفعهم بشفاعتك ، ولم تستشفعهم باستشفائك ، تظنك مثلت لهم الدنيا بمصرعك ومضجعك حيث لا ينفعك بكاؤك ، ولا يغني أحباؤك . ثم التفت إلى قبور هناك وقال : يا أيها الثروة والعز ، الأزواج قد نكحت ، والأموال قد قسمت والدّور قد سكنت ، هذا خير ما عندنا ، فما خير ما عندكم ؟ ثم قال لمن حضر : واللّه لو أذن لهم لأجابوكم بأن خير الزاد التقوى . ثم أنشد : ما أحسن الدنيا وإقبالها * إذا أطاع للّه من نالها من لم يواس الناس من فضلها * عرّض للإدبار إقبالها وروينا من حديث الخطابي ، قال : حدثني الخلديّ موسى بن هارون ، عن هدية بن خالد ، عن حزام القطعيّ ، قال : سمعت الحسن يقول : المداراة نصف العقل ، وأنا أقول : هو العقل كله . وقال محمد ابن الحنفيّة : ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لم يجد من معاشرته بدا حتى يجعل اللّه له فرجا ومخرجا . وروينا من حديث الخطابيّ ، قال : انا محمد بن هاشم ، عن الديريّ ، عن عبد الرزاق ، عن ثابت بن رافع قال : أخبرني شيخ من أهل صنعاء يقال له أبو عبد اللّه ، قال : سمعت وهب بن منبّه يقول : إني وجدت من حكمة آل داود : حق على العالم أن لا يشتغل عن أربع ساعات : ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يفضي فيها إلى إخوانه الذين يصادقونه على عيوبه وينصحونه في نفسه ، وساعة يخلو فيها بين نفسه وبين لذّاتها فيما يحلّ ويحمد ، فإن هذه الساعة عون لهذه الساعات ، والاستجمام للقلوب ، وفضل وبلغة ، وعلى العاقل أن يكون عارفا بزمانه ، ممسكا للسانه ، مقبلا على شأنه . وأنشدنا محمد الكتانيّ لبعضهم : عليك بالقصد لا تطلب مكاثرة * فالقصد أفضل شيء أنت طالبه واقنع بمالك لا تحسد أخا نشب * فعن قليل يردّ المال واهبه فالمرء يفرح بالدنيا وبهجتها * ولا يفكر ما كانت عواقبه حتى إذا ذهبت عنه وفارقها * تبين الغبن فاشتدت مصائبه