ابن عربي

220

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

فيه ، وادّعى هؤلاء فيه ، فقالوا : رضينا بأول طالع علينا حكما ، فطلع عليهم هبنّقة ، فلما رأوه قالوا : باللّه انظروا من طلع علينا ، فلما دنا قصّوا عليه قصتهم ، فقال هبنّقة : الحكم في هذا بيّن ، اذهبوا به إلى نهر البصرة ، فألقوه فيه ، فإن كان من بني راسب رسب ، وإن كان طفاويا طفا ، فقال الرجل : لا أريد أن أكون من هذين الجنسين ، ولا حاجة إلى الديوان . ومما يقرب من هذا الحكم ما اتفق في بلدنا بإشبيلية ، كان عندنا رجل من سفلة الناس يقال له جمعة ، يبيع الخبز ، وكان يتحاكم إليه أطراف الناس ، فجاء إليه رجلان يوما ، فقال أحدهما : يا جمعة ، إن هذا الرجل زنى بامرأتي ، فقال : ومن أين علمت ذلك ؟ قال : زعم أنه رأى امرأتي في نومه فنكحها ، قال : كذلك كان ؟ فقال الخصم : نعم ، فقال جمعة : وجب الحدّ عليه ، اذهبوا به إلى الشمس ، فإذا امتد ظله في الأرض فاجلدوا ظلّه مائة جلدة ، فقال الرجل : وما عليّ في ذلك ؟ فقال له جمعة : وما على امرأة الرجل في ذلك إذا نكح خيالها في منامها ، ما لك عندي حكم غير ذلك . واختصم إليه مرة أخرى في إشبيلية هذا رجل طباخ يطلب حق أدامه من رجل آخر ، فقال : كيف ترتب لك ما تدّعيه على هذا الرجل ؟ فقال : إني رجل طباخ ، أبيع في الدكان ما أطبخه ، فجاء هذا الرجل وبيده قرصة من خبز ، فجعل يأخذ اللقمة ويعرضها على بخار القدر الصاعد ويأكل حتى فرغت ، فطلبت منه حق بخار القدر ، فقال جمعة : وجب عليك يا هذا أعندك قطعة فضة ؟ قال : نعم ، فأخرج المدّعى عليه قطعة فضة ، فقال جمعة للطباخ : اصغ بأذنك ، ورمى القطعة على الحجر ، فسمع لها طنين ، فقال : يا طباخ ، خذ هذا الطنين في حق بخارك ، وردّ القطعة الفضة لخصمك ، فقال الطباخ : ما نقصه شيء . فقال جمعة : ولا أخذ من قدرك شيئا . افتخر الحسين عليه السلام يوما في مجلس معاوية في كلام جرى ضربنا عن ذكره ، لأنّا قد عزمنا أن لا نذكر ما شجر بين الصحابة من قبيح القول والفعل ، لما يحصل في القلوب الضعيفة من ذلك . قال الحسين : أنا ابن ماء السماء ، وعروق الثرى ، أنا ابن من ساد أهل الدنيا بالحسب الثاقب ، والشرف الفائق ، والقديم السابق ، أنا ابن من رضاه رضى الرحمن ، وسخطه سخط الرحمن ، ثم رد وجهه للخصم فقال له : هل لك أب كأبي أو قديم كقديمي ؟ فإن قلت لا تغلب ، وإن قلت نعم تكذب ، فقال الخصم : لا تصديقا لقولك . فقال الحسين عليه السلام : الحق أبلج لا يزيغ سبيله ، والحق يعرفه ذوو الألباب . وقال معاوية يوما وعنده أشراف الناس من قريش وغيرهم : أخبروني بأكرم الناس أبا وأما ، وعما وعمة ، وخالا وخالة ، وجدا وجدة . فقال مالك بن عجلان ، وأومأ إلى