ابن عربي
219
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
وبحياته كانت الحياة ، فالتوحيد ثمرة المعرفة ، ولا ينال إلا بقلب الأخلاق والصفة ، فمن انقلبت صفته كان المحمود ، ومن وقفت همته على ما سواه نال المقصود ، فالعارف به له تظهر أسراره ، وإلى حضرة سيّده تمتد أفكاره ، يلاحظ الجمال العليّ ، وينزّه ذات المالك الوفيّ ، فالتوحيد حياة القلوب ، ومظهر الأشياء ، وساتر العيوب ، ستر به مخلوقاته فبطن ، وأظهر به قدرته فيهم سبحانه فظهر للعارف أسرار بها يقتدي ، وأنوار بها يهتدي ، وأنواره من نور سيّده ملأت وجوده ، وأشرقت أسراره فكاشفت معبوده ، صفت همته فباشرت المعاني ، وتنزهت صفاته فظل فانيا ، فبالتوحيد العارفون يقولون ويسمعون ، فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون . روينا من حديث الخطابي قال : انا ابن الأعرابي ، قال : حدثنا بكر بن فرقد ، ثنا يحيى بن سعيد القطان ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن طلحة بن عبد اللّه ، أن أقل : لعيب الرجل أن يجلس في داره . حدثنا محمد بن قاسم ، قال : قيل لحاتم الأصمّ : كيف أصبحت ؟ قال : كيف يصبح من أجله قريب ، وأمله بعيد ، والموت أمامه والقبر مسكنه ، وهو مع ذلك مطالب بتسع خلال ، قلت : وما هنّ ؟ قال : أصبحت واللّه سبحانه يطالبني بالفرض ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم يطالبني بالسّنّة ، والعيال بالنفقة ، والنفس بالقوت ، والوالدان بالبرّ ، والملكان بصدق اللسان ، والقبر بالجسم ، والدود باللحم ، ومنكر ونكير بالحجة ، فهؤلاء غرمائي ، وهذه ديوني ، فكيف يجب أن يكون من يصبح كل يوم على هذه الصفة وقد غلب تقصيري عن الوفاء . شعر داويت قلبي بالهموم فما اشتفى * وعتبت طرفي بالدموع فما اكتفى ووقفت أندب في منازل وصلكم * حزنا على زمن المودة والصّفا مثل هو أحمق من هبنّقة ، وله حكايات في هذا الفن عجيبة ، فما بلغ من حمقه أنه ضلّ له بعير يوما ، فجعل ينادي : من وجد بعيري فهو له ، فقيل له : فلم تنشده ؟ قال : فأين حلاوة الوجدان ؟ ومن أخباره : أنه اختصمت إليه في رجل بنو طفاوة ، وبنو راسب ، فادّعى هؤلاء