ابن عربي
216
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
ما أزكى الصدقة ؟ فقال أبو حازم : جهد المقل . فقال سليمان : يا أبا حازم ، ما تقول فيما نحن فيه ؟ فقال أبو حازم : اعفنا من هذا . فقال سليمان : نصيحة بلغتها . قال أبو حازم : إن أناسا أخذوا هذا الأمر من غير مشورة من المؤمنين ، ولا إجماع من رأيهم ، فسفكوا فيها الدماء على طلب الدنيا ثم ارتحلوا عنها ، فليت شعري ما قالوا وما قيل لهم . فقال بعض جلسائه : بئس ما قلت يا شيخ ، فقال أبو حازم : كذبت ، إن اللّه تبارك وتعالى أخذ على العلماء ليبيننه للناس ، ولا يكتمونه . فقال سليمان : يا أبا حازم ، كيف لنا بصلح ؟ قال : تدعوا التكلّف وتمسكوا بالمروءة . قال سليمان : يا أبا حازم ، كيف الأخذ بذلك ؟ قال أبو حازم : تأخذه من حقه ، وتضعه في أهله . فقال له سليمان : اصحبنا يا أبا حازم ، وتصيب منا ونصيب منك . فقال : أعيذك من ذلك . قال سليمان : ولم ؟ قال : أخاف أن أركن إليكم شيئا قليلا فيذيقني اللّه منها ضعف الحياة وضعف الممات . قال سليمان : يا أبا حازم ، فأشر عليّ ، فقال أبو حازم : اتق اللّه أن يراك حيث نهاك وأن يفقدك حيث أمرك . قال سليمان : يا أبا حازم ، ادع لنا بخير . فقال أبو حازم : اللهم إن كان سليمان وليّك فبشّره بخير الدنيا والآخرة ، وإن كان عدوك فخذ إلى الخير بناصيته . فقال سليمان : عظني يا أبا حازم ، قال : فقد أوجزت إن كنت وليّه ، وإن كنت عدوه ، فما ينفعك إذ أرمي بقوس بغير وتر . فقال سليمان : يا غلام ، ائت بمائة دينار ، ثم قال : خذها يا أبا حازم ، فقال أبو حازم : لا حاجة لي بها ، إني أخاف أن تكون لما سمعت من كلامي أن موسى عليه السلام لما هرب من فرعون وورد ماء مدين وجد عليه الجاريتين تذودان ، قال : ما خطبكما ؟ قالتا : لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير ، فسقى لهما ، ثم تولى إلى الظل فقال : رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير ، ولم يسأل على عون اللّه أجرا على دينه فلما أعجل بالجاريتين الانصراف ، أنكر ذلك أبوهما وقال : ما أعجلكما ؟ قالتا : وجدنا رجلا صالحا فسقى لنا ، قال : فما سمعتماه يقول ؟ قالتا : سمعناه يقول : رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير ، قال : ينبغي أن يكون هذا جائعا ، تنطلق إحداكما فتقول له : إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا . قال : فجزع من ذلك موسى عليه السلام ، وكان طريدا في فيافي الصحراء ، فأقبل والجارية أمامه ، فهبت الريح فوصفتها له ، وكانت ذا خلق ، فلما بلغ الباب دخل وإذا طعام