ابن عربي

217

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

موضوع ، قال شعيب : أصب يا فتى من هذا الطعام ، قال موسى عليه السلام : أعوذ باللّه ، قال شعيب : ولم ؟ قال موسى : لأننا من بيت لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهبا . قال شعيب عليه السلام : لا واللّه ، لكنها عادتي وعادة آبائي ، نطعم الطعام ، ونقري الضعيف . فجلس موسى فأكل . فإن كانت هذه الدنانير هي عوضا لما سمعت من كلامي ، فالآن أرى أكل الميتة والدم في حال الضرورة أحب إليّ من أخذها . فكان سليمان أعجب بأبي حازم ، فقال بعض جلسائه : يا أمير المؤمنين ، أيسرّك أن يكون الناس كلهم مثله ؟ قال الزهري : إنه لجاري منذ ثلاثين سنة ما كلّمته بكلمة قط . قال له أبو حازم : صدقت إنك نسيت اللّه فنسيتني ، ولو أحببت اللّه لأحببتني . قال الزهري : صدقت أتشتمني ؟ قال سليمان : بل أنت شتمت نفسك ، أما علمت أن للجار على جاره حقا . قال أبو حازم : إن بني إسرائيل لما كانوا على الصواب ، وكانت الأمراء تحتاج إلى العلماء ، وكانت العلماء تضنّ بدينها عن الأمراء ، فاستغنت الأمراء عن العلماء ، واجتمع القوم على المعصية ، فشغلوا وانتكسوا ، ولو كان علماؤنا هؤلاء يصونون علمهم ، لكانوا لم تزل الأمراء تهابهم . قال الزهري : كأنك لي تريد وبي تعرّض ، قال : هو ما تسمع . وبالإسناد قال : وفد هشام إلى المدينة ، فأرسل إلى أبي حازم ، فقال له : يا أبا حازم عظني وأوجز ، قال أبو حازم : اتق اللّه ، وازهد في الدنيا ، فإن حلالها حساب ، وحرامها عذاب ، قال : لقد أوجزت يا أبا حازم ، ارفع حوائجك إلى أمير المؤمنين ، فقال أبو حازم : هيهات هيهات قد رفعت حوائجي إلى من تنجز الحوائج دونه ، فما أعطاني منها قنعت ، وما منعني منها رضيت ، وقد نظرت في هذا الأمر فإذا هو نصفين : أحدهما لي والآخر لغيري ، فأما ما كان لي فلو احتلت بكل حيلة ما وصلت إليه قبل أوانه الذي قدّر لي فيه ، وأما الذي لغيري فذاك الذي لا أطمع نفسي فيما مضى ولا أطمعها فيما بقي ، وكما منع غيري رزقي كذلك منعت رزق غيري ، فعلام أقتل نفسي ؟ حدثنا محمد بن الفضل ، ثنا محمد بن أبي منصور ، انا عبد القادر بن يوسف ، أنا أبو الحسن بن الأبنوسي ، انا ابن شاهين ، نبأ إسماعيل بن علي ، حدثني القاسم بن الخطابي ، نبأ عبيد اللّه بن محمد العبسي ، ثنا جعفر بن سليمان الصفي ، قال : سمعت أبا يحيى مالك بن دينار يقول شعرا : أتيت القبور فناديتها * فأين المعظّم والمحتقر