ابن عربي

196

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

إني أجد في الكتاب المكنون ، والعلم المخزون ، الذي اخترناه لأنفسنا ، واحتقبناه دون غيرنا ، خبرا عظيما ، وخطرا جسيما ، فيه شرف الحياة ، وفضيلة الوفاة ، للناس كافة ، ولرهطك عامة ، ولك خاصة . فقال عبد المطلب : مثلك أيها الملك من سرّك وبرّ ، فما هو ؟ فذاك أهل الوبر زمرا بعد زمر . قال : إذا ولد بتهامة غلام به علامة ، بين كتفيه شامة ، كانت له الإمامة ، ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة . قال عبد المطلب : أبيت اللعن ، لقد أبت بخير ما آب به وافد قومك ، ولولا هيبة الملك وإعظامه وإجلاله لسألته من سأراه إياي ما ازداد به سرورا . قال سيف بن ذي يزن : هذا حين يولد فيه أو قد ولد ، اسمه محمد ، بين كتفيه شامة ، يموت أبوه وأمه ، ويكفله جده وعمه ، قد وجدناه مرارا ، واللّه باعثه جهارا ، وجاعل له منا أنصارا ، يعزّ بهم أولياءه ، ويذل بهم أعداءه ، ويضرب بهم الناس عن عرض ، ويستبيح بهم كرائم الأرض ، يعبد الرحمن ، ويزجر الشيطان ، ويخمد النيران ، ويكسر الأوثان ، قوله فصل ، وحكمه عدل ، يأمر بالمعروف ويفعله ، وينهى عن المنكر ويبطله . قال عبد المطلب : أيها الملك ، عز جارك ، وسعد جدك ، وعلا كعبك ، ونما أمرك ، وطال عمرك ، ودام ملكك ، فهل الملك سارّي بإفصاح ، فقد أوضح بعض الإيضاح . قال سيف بن ذي يزن : والبيت ذي الحجب ، والعلامات ذي النقب ، إنك يا عبد المطلب لجده بلا كذب . قال : فخرّ عبد المطلب ساجدا . فقال سيف : ارفع رأسك ، فقد ثلج صدرك ، وعلا أمرك ، فهل أحسست شيئا مما ذكرت لك ؟ قال عبد المطلب : نعم أيها الملك ، إنه كان لي ابن ، وكنت به معجبا ، وعليه رفيقا ، فزوّجته كريمة من كرائم قومي : آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة ، فجاءت بغلام وسمّيته محمدا ، ومات أبوه وكفلته أنا وعمه ، بين كتفيه شامة ، وفيه كلما ذكرت من علامة . فقال سيف : إن الذي ذكرت لكما ذكرت ، فاحتفظ به ، واحذر عليه اليهود ، فإنهم له أعداء ، ولن يجعل اللّه لهم عليه سبيلا ، واطو ما ذكرت لك دون هذا الرهط الذي معك ، فإني لست آمن أن يدخلهم التحاسد من أن يكون لك الرئاسة فيبغون لك الغوائل ، وينصبون له الحبائل ، وهم فاعلون أو أبناؤهم ، ولولا أني أعلم أن الموت محتاجي قبل مبعثه ، لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار ملكه ، فإني أجد في الكتاب الناطق ، والعلم السابق ، أن بيثرب استحكام أمره ، وموضع قبره ، وأهل نصرته ، ولولا أني أقيه من الآفات ، وأحذر عليه من العاهات ، لأوطأت أسنان العرب كعبه ، ولأعلنت على حداثة من سنّه ذكره ، ولكني صارف إليك من غير تقصير بمن معك .