ابن عربي

190

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

يدخلها إلا من أرادوا ، فكان الرجل إذا كرهوا أن يدخلها يدعونه يرتقي حتى إذا كاد أن يدخلها دفعوه فسقط ، فإن بدا لقومك هدمها فهلمي أريك ما تركوا في الحجر منها » ، فأراها قريبا من سبعة أذرع . فلما هدّم ابن الزبير الكعبة وساواها في الأرض ، كشف عن أساس إبراهيم ، فوجده داخلا في الحجر نحوا من ستة أذرع وشبر ، كأنها أعناق الإبل ، أخذ بعضها ببعض ، تحرّك الحجر من القواعد ، فتحرّك الأركان كلها . فدعا ابن الزبير خمسين رجلا من وجوه الناس وأشرافهم ، فأشهدهم على ذلك الأساس ، فأدخل رجل من القوم كان يقال له عبد اللّه بن قطيع عتلة كانت في يده في ركن من أركان البيت ، فتزعزعت الأركان كلها جميعا . ويقال إن مكة رجفت رجفة شديدة حين زعزع الأساس ، وخاف الناس خوفا شديدا حتى ندم كل من أشار على ابن الزبير بهدمها ، وأعظموا ذلك إعظاما شديدا ، وسقط في أيديهم . فقال لهم ابن الزبير : اشهدوا ، ثم وضع البناء على ذلك الأساس ، ووضع حذاء الباب ، باب الكعبة ، على مدماك على الشاذروان اللاصق بالأرض ، وجعل الباب الآخر بإزائه في ظهر الكعبة مقابله ، وجعل عتبته على الأخضر الطويل الذي في الشاذروان الذي في ظهر الكعبة قريبا من الركن اليماني ، وكان البنّاءون يبنون من وراء الستر ، والناس يطوفون من خارج . فلما ارتفع البنيان إلى موضع الركن ، وكان ابن الزبير حين هدم الكعبة جعل الركن في ديباج ، وأدخله في تابوت ، وأقفل عليه ، ووضعه عنده في دار الندوة ، وعمد إلى ما كان في الكعبة من جليل ، ووضعه في خزانة الكعبة في دار شيبة بن عثمان ، فلما بلغ البنيان موضع الركن اليماني ، أمر ابن الزبير بموضعه ، فنقر في حجرين : حجر من المدماك الذي تحته ، وحجر من المدماك الذي فوقه ، بقدر الركن ، وطوّق فوقه بينهما ، فلما فرغوا منه أمر ابن الزبير ابنه عبّاد بن عبد اللّه بن الزبير ، وجبير بن شيبة بن عثمان ، أن يجعلوا الركن في ثوب ، وقال لهم ابن الزبير : إذا دخلت في صلاة الظهر فحملوه واجعلوه في موضعه ، فأنا أطوّل الصلاة ، فإذا فرغتم فكبّروا حتى أخفف صلاتي ، وكان ذلك في جرّ الشمس . فلما أقيمت الصلاة كبّر ابن الزبير وصلى بهم ركعتين ، فخرج عبّاد بالركن من دار الندوة وهو يحمله ومعه جبير بن شيبة بن عثمان ، ودار الندوة يومئذ قريب من الكعبة ، فخرقا به الصفوف حتى أدخلاه في الستر الذي دون البناء ، فكان الذي وضعه في موضعه