ابن عربي
191
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
هذا عبّاد بن عبد اللّه ، وأعانه عليه جبير بن شيبة ، فلما أقروه في موضعه ، وطوّق عليه الحجر ، كبّروا ، فأخف بهم ابن الزبير صلاته ، وتسامع الناس بذلك ، وغضب فيه رجال من قرش ، حيث لم يحضرهم ابن الزبير في ذلك ، وقالوا : واللّه لقد رفع في الجاهلية حين بنته قريش ، فحكموا فيه أول من يدخل عليهم من باب المسجد ، فدخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فجعله في ردائه . ودعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من كل قبيلة من قريش رجلا ، فأخذوا بأركان الثوب ، ثم وضعه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في موضعه ، وكان الركن قد تصدع من الحريق ثلاث فرق ، وانشظّت منه شظية كانت عند بعض آل بني شيبة بعد ذلك بدهر طويل ، فشدّه ابن الزبير بالفضة إلى تلك الشظية من أعلاه ، موضعها بأعلى الركن ، ولما بلغ ابن الزبير بالبناء ثمانية عشر ذراعا قصرت بحال الزيادة التي زاد من الحجر فيها ، واستمسح ذلك ، وصارت عريضة لا طول لها ، فقال : قد كانت قبل قريش تسعة أذرع حتى زادت قريش تسعة أذرع أخرى طولا في السماء ، فأنا أزيد فيها تسعة أذرع أخرى ، فبناها سبعا وعشرين ذراعا ، فيها ثلاث دعائم ، فأرسل ابن الزبير إلى صنعاء فأتى من رخام بها يقال إنها الأبلق ، فجعله في الروازن التي في سقفها للضوء ، وجعل الباب مصراعين . وكان في بناء قريش مصراعا واحدا وجعل ميزابها في الحجر ، فلما فرغ منها خلّقها من داخلها وخارجها ، من أعلاها إلى أسفلها ، وكساها القباطيّ ، وقال : من كانت عليه طاعة فليخرج فليعتمر من النعيم ، ومن قدر أن ينحر بدنة فليفعل ، ومن لم يقدر فليذبح شاة ، فمن لم يقدر فليتصدّق بقدر طوله ، وخرج ماشيا ، وخرج الناس معه مشاة حتى اعتمر من التنعيم شكرا للّه . ولم ير يوما كان أكثر عتيقا ولا أكثر بدنة منحورة ، ولا شاة مذبوحة ، ولا صدقة من ذلك اليوم . ونحر ابن الزبير مائة بدنة ، فهذه هي العمرة التي يعتمرها الناس اليوم في السابع والعشرين من رجب التي يسمونها عمرة الأكمه . وما زال البيت على حاله إلى أن قتل الحجّاج ابن الزبير ، فاستأذن الحجاج عبد الملك فيما أحدثه ابن الزبير في البيت ، فكتب إليه عبد الملك أن يهدم الجانب الذي يلي الحجر خاصة ، ويكبس البيت به ، ويغلق الباب الغربي ، ويرفع الباب الشرقي إلى حده الأول . ففعل الحجاج ذلك ، فبلغ بعد ذلك عبد الملك أن الذي فعله ابن الزبير على حديث عائشة صحيح ، حدث به الحارث بن عبد اللّه بن ربيعة المخزومي أنه سمع هذا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فقال عبد الملك : وددت واللّه أني كنت تركت ابن الزبير وما تحمل من ذلك .