ابن عربي
176
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
والأساقفة من قبلي . قال الشيخ : فهلّا كانت لك ذنوب وخطايا وللأساقفة من قبلك ، أم أنتم مبرءون من النقص ؟ قال القس : نعم ، إنها لأكثر من ذلك ، ولا يسلم من الذنب والعيب إلا اللّه تعالى ، قال الشيخ : هل يقدّس الماء من لم يقدّس نفسه ؟ قال : فسكت القس ، ثم قال : إني لم أقدسه أنا . قال الشيخ : فكيف كانت القصة إذا ؟ قال القس : إنها سنّة من عيسى ابن مريم ، قال الشيخ : فكيف كان الأمر إذا ؟ قال القس : إن يحيى بن زكريا أغطس عيسى ابن مريم بالأردن غطسة ، ومسح له رأسه ، ودعا له بالبركة . قال الشيخ : واحتاج عيسى إلى يحيى بن زكريا أن يمسح له رأسه ويدعو له بالبركة ؟ فاعبدوا يحيى ، فيحيى خير لكم من عيسى . فسكت القس ، واستلقى بشير على فراشه ، وأدخل فاه في كمه وجعل يضحك ، وقال للقس : قم أخزاك اللّه ، دعوتك لتنصّره ، فإذا أنت قد أسلمت . ثم إن الشيخ بلغ أمره إلى الملك ، فبعث إليه الملك فقال : ما هذا الذي بلغني عنك من تنقيصك لديني ، ووقيعتك فيه ؟ قال الشيخ : إن لي دينا كنت ساكتا عنه ، فلما سئلت عنه لم أجد بدّا من الذبّ عنه . قال الملك : وهل في يدك حجة ؟ قال : ادع لي من شئت حتى يحاورني ، فإن كان الحق في يدي فلم تلومني على الذبّ عن الحق ، وإن كان الحق في يده رجعت إلى الحق . فدعا الملك بعظيم النصرانية ، فلما دخل عليه سجد له الملك ومن عنده أجمعون . فقال الشيخ : أيها الملك من هذا ؟ قال : رأس النصرانية الذي تأخذ النصرانية عنه دينها . قال الشيخ : فهل له من امرأة ؟ أم هل له من ولد ؟ أم هل له من عقب ؟ فقال له الملك : هذا أزكى وأطهر من أن يدنّس بالنساء ، هذا أزكى وأطهر من أن ينسب إليه الولد ويدنّس بالحيض ، هذا أزكى وأطهر من هذا كله . قال الشيخ : فأنتم تكرهون الآدمي ، يكون منه ما يكون من بني آدم من الغائط والبول والنوم والسهر ، وتأخذكم غيرة من ذكر نسبة النساء إليه ، وتزعمون أن رب العالمين سكن ظلمة البطن ، وضيق الرحم ، ودنس الحيض . قال القس : هذا شيطان من شياطين البحر ، رمى به البحر إليكم فأخرجوه من حيث جاء . فأقبل الشيخ على القس وقال : عبدتم عيسى ابن مريم لأنه لا أب له ، فضمّوا آدم مع عيسى حتى يكون لكم إلهان اثنان ، وإن كنتم عبدتموه لأنه أحيا الموتى ، فهذا حزقيل مرّ بميت تجدونه في الإنجيل لا تنكرونه ، فدعا اللّه عز وجل فأحياه له حتى كلّمه ، فضمّوا حزقيل مع عيسى وآدم حتى يكون لكم ثلاثة ، وإن كنتم إنما عبدتموه لأنه أراكم المعجزات ، فهذا يوشع بن نون قاتل قومه حتى غربت الشمس ، فقال لها : ارجعي بإذن اللّه