ابن عربي

177

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

فرجعت اثني عشر برجا ، فضمّوا يوشع أيضا إلى عيسى يكون رابع أربعة ، وإن كنتم إنما عبدتموه لأنه عرج به إلى السماء ، فمن ملائكة اللّه عز وجل مع كل نفس ، اثنان بالليل ، واثنان بالنهار ، يعرجون إلى السماء ، ما لو ذهبنا نعدّهم لالتبس علينا عقولنا ، واختلط علينا ديننا ، وما زاد في ديننا إلا تحيرا . ثم قال : أيها القس ، أخبرني عن رجل يحل به الموت ، الموت أهون عليه أم القتل ؟ قال القس : بل القتل . قال : فلم لم يقتل عيسى ابن مريم أمه ، بل عذبها بنزع الروح ؟ إن قلت إنه قتلها فما برّ أمه في قتلها ، وإن قلت إنه لم يقتلها فما برّ أمه في تعذيبها بنزع النفس . فقال القس : اذهبوا به إلى الكنيسة العظمى ، فإنه لا يدخلها أحد إلا تنصّر . قال الملك : اذهبوا به إلى الكنيسة . قال الشيخ : لما ذا يذهب بي إلى الكنيسة ولا حجة عليّ دحضت حجتي ؟ قال الملك : لا يضرّك شيء إنما هو بيت من بيوت اللّه تعالى تذكر فيه ربك . قال الشيخ : أما إذا كان هكذا فلا بأس . فذهبوا به إلى الكنيسة ، فلما دخل إلى الكنيسة وضع إصبعيه في أذنيه ورفع صوته بالآذان ، فجزعوا لذلك جزعا شديدا ، وصرخوا لذلك ، وكتفوه ، وجاءوا به إلى الملك ، فقالوا : أيها الملك ، أحل بنفسه القتل . قال الشيخ : أيها الملك ، أين ذهبوا بي ؟ قال : ذهبوا بك موضعا تذكر ربك فيه . قال : فقد دخلته وذكرت ربي فيه بلساني ، وعظمته بقلبي ، فإن كان كلما ذكر اللّه في كنائسكم صغر إليكم دينكم فزادكم اللّه صغارا . قال الملك : صدق ، وما لكم عليه سبيل . قالوا : أيها الملك ، لا نرضى حتى نقتله . قال الشيخ : إنكم متى قتلتموني فبلغ ذلك ملكنا وضع يده في قتل القسيسين والأساقفة ، ويخرّب الكنائس ، وكسر الصلبان ، ومنع النواقيس . قالوا : وإنه ليفعل ؟ قال : فلا تشكّوا في ذلك . قال : فتفكروا في ذلك فتركوه . قال الشيخ : أيها الملك ، بم علا أهل الكتاب على أهل الأوثان ؟ قال : لأنهم عبدوا ما عملوا بأيديهم . قال : فهذا أنتم عبدتم ما عملتم بأيديكم هذه الأصنام التي في كنائسكم ، فإن كان في الإنجيل فلا كلام لنا فيه ، وإن لم يكن في الإنجيل فما أشبه دينكم بدين الأوثان . قال : صدق ، هل تجدونه في الإنجيل ؟ قال القس : لا . قال : فلم تشبهوا ديني بدين أهل الأوثان ؟ قال : فأمرهم بتبييض الكنائس ، فجعلوا يبيضونها ويبكون . قال القس : هذا شيطان من شياطين العرب رمى به البحر إليكم ، فأخرجوه من حيث جاء ، ولا يقطر من دمه قطرة في بلادكم فيفسد عليكم دينكم ، فوكلوا به رجالا ، فأخرجوه من حيث جاء من بلاد دمشق . ووضع الملك يده في قتل القسيسين والبطاركة والأساقفة ، حتى هربوا إلى الشام ، لما لم يجد واحدا يحاجّه . انتهى . أخبرني عبد الوحد بن إسماعيل العسقلاني قال : سمعت جدّي لأميّ عمر بن عبد