ابن عربي
175
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
النبيون على الأمم ، أن لا تغدر بي ، ولا تمحلني ، ولا تبغ لي باغية سوء ، وأنك إذا سمعت الحق تنقاد له . قال بشير : فلك عليّ عهد اللّه وميثاقه ، وما أخذ اللّه على النبيين ، وما أخذ النبيون على الأمم ، أن لا أغدر بك ، ولا أمحل بك ، ولا أبغي لك باغية سوء ، وأني إذا سمعت الحق أنقاد له . فقال الشيخ : أما ما وصفت من صفة اللّه عز وجل ، فقد أحسنت الصفة ، ولم يبلغ علمك ، ولم يستحكم عليه رأيك أكثر من هذا ، واللّه عز وجل أعظم وأكبر مما وصفت ، ولا يصف الواصفون صفته ، وأما ما ذكرت من هذين الرجلين ، فقد أسأت الصفة ، ألم يكونا يأكلان الطعام ، ويشربان الشراب ، ويبوّلان ، ويتغوطان ، وينامان ، ويستيقظان ، ويفرحان ، ويحزنان ؟ قال بشير : بلى . قال : فلم فرّقت بينهما ؟ قال بشير : لأن عيسى كان له روحان اثنان : فروح يبرئ بها الأكمه والأبرص ، وروح يعلم بها الغيب ، ويعلم ما في قعر البحار ، وما يتحات من ورق الشجر ، قال واصل : روحان اثنان في جسد واحد ؟ قال بشير : نعم . قال الشيخ : فهل كانت القوية تعرف موضع الضعيفة منها أم لا ؟ قال بشير : قاتلك اللّه ما ذا تريد أن تقول إن قلت إنها لا تعلم ؟ قال الشيخ : إن قلت إنها تعلم ، فما لهذه القوية لا تطرد عنه هذه الآفات ، وإن قلت إنها لا تعلم قلت كيف تعلم الغيوب ؟ ولا نعلم روحا في محل واحد في جسد واحد . قال : فسكت بشير ، فقال الشيخ : باللّه هل عبدتم الصليب مثالا لعيسى ابن مريم أنه صلب ؟ قال بشير : نعم . قال الشيخ : فبرضى منه أم بسخط ؟ قال بشير : هذه أخت تلك ، ما ذا تريد أن تقول إن قلت برضى منه ؟ قال الشيخ : إن قلت برضى منه قلت فما أنتم من قوم أعطوا ما سألوا وأرادوا ، وإن قلت بسخط قلت فلم تعبدون ما لا يمنع عن نفسه ؟ قال بشير : والضارّ والنافع ، ما ينبغي لمثلك أن يعيش إلا في النصرانية ، أراك رجلا قد تعلمت الكلام ، وأنا رجل صاحب سيف ، ولكن آتيك غدا بمن يخزيك اللّه على يديه ، ثم أمره بالانصراف . فلما كان الغد بعث بشير إلى الشيخ ، فلما دخل عليه إذا عنده قس عظيم اللحية ، فقال له بشير : إن هذا رجل من العرب له حكم وعقل ، وأصل في العرب ، وقد أحب أن يدخل في ديننا فكلّمه حتى تنصّره ، فسجد القس لبشير ، وقال : قديما ما أتيت إلا بالخير ، وهذا أفضل ما أتيت به إليّ . ثم أقبل على الشيخ وقال له : أيها الشيخ ، ما أنت بالكبير الذي ذهب عنه عقله وتفرق عنه حكمه ، ولا أنت بالصغير الذي لم يستكمل عقله ولم يبلغ حلمه ، غدا أغطسك في المعمودية غطسة تخرج منها كيوم ولدتك أمك . قال الشيخ : فما هذه المعمودية ؟ قال القس : ماء مقدس . قال الشيخ : من قدّسه ؟ قال القس : أنا قدّسته ،