ابن عربي
168
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
والوقار ، من غير كبر يوصف منك ، ولا خيلاء تحكى عنك ، والق صديقك وعدوّك بوجه الرضا وكفّ الأذى ، من غير ذلة لهم ، ولا مهابة منهم ، وكن في جميع أمورك أوسطها ، فإن خير الأمور أوسطها ، وأقلل الكلام ، وافش السلام ، وامش متمكنا ، ولا تخطّ برجليك ، ولا تسحب ذيلك ، ولا تلق رداءك ، ولا تنظر في عطفيك ، ولا تكثر الالتفات وراءك ، ولا تقف على الجماعات ، ولا تتخذ السوق مجلسا ، ولا الحوانيت متحدثا ، ولا تكثر المراء ، ولا تنازع السفهاء ، وإن قضيت فاختصر ، وإن مدحت فاقتصر ، وإن جلست فتربّع ، وتحفّظ من تشبيك أصابعك وتفقيعها ، والعبث بلحيتك وخاتمك ، وذؤابة سيفك ، وتخليل أسنانك ، وإدخال يدك في أنفك ، وطرد الذباب عن وجهك ، وكثرة التثاؤب والتمطي ، وأشباه ذلك مما يستخفه الناس منك ، ويغتمزون به فيك . وليكن مجلسك هاديا ، وحديثك مقسوما ، واصغ إلى الكلام الحسن ممن يحدثك من غير إظهار عجب منك ، ولا تسأله إعادة ، وغضّ عن الفكاهات من المضاحك والحكايات ، ولا تحدّث عن إعجابك بولدك ، ولا خادمك ، ولا عن فرسك وسيفك . وإياك وأحاديث الرؤيا ، فإنك إن أظهرت الفرح بها والتعجب منها طمع فيك السفهاء ، فولدوا لك الأحلام ، واغتمزوا في عقلك . ولا تتصنع تصنّع المرأة ، ولا تبذل ببذل العبد ، وغب بامتشاط لحيتك ، وتوقّ نتف الشيب ، وكثرة الكحل ، والإسراف في الدهن ، وليكن كحلك غبّا . ولا تلحّ في الحاجات ، ولا تخضع في الطلبات ، ولا تعلم أهلك وولدك فضلا عن غيرهم عدّة مالك ، فإنهم إذا رأوه قليلا هنت عليهم ، وإن كان كثيرا لم يبلغ به مرضاتهم ، واجفهم من غير عنف ، ولن لهم من غير ضعف ، ولا تهازل في حاجتك أمتك ولا عبدك ، فيسقط وقارك من قلوبهم . وإذا خاصمت فتوقّر ، وتحفّظ من جهلك ، وتجنب عجلتك ، وتفكّر في حجتك ، وأر الحاكم بينكما حلمك ، ولا تكثر الإشارة بيدك ، ولا تحفر على رتبتك ، وتوقّ حمرة الوجه ، وعرق الجبين . وإن سفه عليك فاحلم ، وإذا هدأ غضبك فتكلم ، وأكرم عرضك ، وألق الفضول عنك . وإن قرّبك السلطان فكن منه على حدّ السنان ، وإن استرسل إليك فلا تأمن انقلابه عليك ، وارفق به كل رفقك ، وكلّمه بما يشتهي ما لم يصنع في ذلك حقا من حقوق اللّه ، ولا يحملنك ما ترى من ألطافه ، إياك وخاصته بك أن تدخل بينه وبين أحد من أهله وولده ، وحشمه ، إلا بخير ، وإن كان لذلك منك مستمعا ، وللقول منك فيه مطيعا ، فإن سقطة الداخل بين الملك وأهله صرعة . وإذا وعدت فحقق ، وإذا حدّثت فاصدق ، ولا تجهر بمنطقك كمنازع الأصمّ ، ولا