ابن عربي
169
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
تخافت به كمخافتة الأخرس ، وتخيّر محاسن القول بالحديث المقبول ، وإذا حدّثت بسماع فانسبه إلى أهله ، وإياك والأحاديث الغريبة المستبشعة التي تنكرها القلوب ، وتقف لها الجلود ، وإياك ومضاعف الكلام ، نعم نعم ، ولا ولا ، وأجل وأجل ، وما أشبه ذلك . وإذا توضأت فأجد عرك كفيك ، ولا تتنخع في الطست ، وليكن طرحك الماء من فيك مسترسلا ، ولا تمجّه فينضح على أقرب جلسائك ، ولا تعضّ بعض اللقمة ثم تعيد ما بقي منها في متصبّع ، فإن ذلك مكروه . ولا تكثر الاستسقاء على مائدة الملوك ، ولا تعبث بالمشاش ، ولا تعبّ طعاما ولا شيئا مما يقرّب على المائدة ، من بقل أو خلّ أو تابل أو عسل ، فإن أصحابه صيّرت لنفسها المهابة . ولا تمسك إمساك المسكين المثبور ، ولا تبذّر تبذير السفيه المغرور ، واعرف في مالك واجب الحقوق ، وحرمة الصديق ، واستغن عن الناس يحتاجون إليك . واعلم أن الجشع ( يعني الطمع ) يدعو إلى الطبع والرغبة ، كما قيل تدقّ الرقبة ، والأكلة تمنع الأكلات ، والتعفف مال جسيم ، وخلق كريم ، ومعرفة الرجل قدره تشرّف ذكره ، ومن تعدّى القدر هوى في بعيد القفر ، والصدق زين ، والكذب شين ، ولصدق يسرع عطب صاحبه أحسن عاقبة من كذب يسلم عليه قائله ، ومعاداة الحليم خير من مصادقة الأحمق ، والزوجة السوء الدمن الداء العضال ، ونكاح العجوز يذهب ماء الوجه ، وطاعة النساء تزري بالعقلاء . تشبّه بأهل الفضل تكن منهم ، واتّضع للشرف تدركه ، واعلم أن كل امرئ حيث وضع نفسه ، وإنما ينسب الصارم إلى صانعه ، والمرء يعرف بقرينه ، وإياك وإخوان السوء فإنهم يخونون من رافقهم ، ويخونون من صادقهم ، وقربهم أعدى من الجرب ، ورفضهم من استكمال الأرب ، وجفوة المستجير لؤم ، والعجلة شؤم ، وسوء التدبير وهم . والإخوان اثنان : فمحافظ عليك عند البلاء ، وصديق لك في الرخاء ، فاحفظ صديق البلية ، وتجنّب صديق العافية ، فإنه أعدى الأعداء . ومن اتّبع الهوى مال به إلى الردى . ولا يعجبنك الظريف من الرجال ، ولا تحقر ضئيلا كالخلال ، وإنما المرء بأصغريه : قلبه ولسانه ، ولا ينتفع منه إلا بأصغريه . وتوقّ الفساد ، وإن كنت في بلاد الأعادي . ولا تفرش عرضك لمن دونك ، ولا تجعل مالك أكرم عليك من عرضك . ولا تكثر الكلام ، فتثقل على الأقوام ، وامنح البشر جليسك ، والقبول . وإياك وكثرة التبزيق ، والتلويق ، والتنويق ، فإن ظاهر ذلك ينسب إلى التأنيث ، والتصنع ، لمغازلة النساء . وكن منتهزا في فرصتك ، رفيقا في حاجتك ، مثبّتا في عجلتك ، والبس لكل دهر ثيابه ، وكن مع كل قوم في سلكهم ، واحذر ما يكون بك اللائمة في آخرتك ، ولا تعجل في