ابن عربي

166

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

أن فرغ من أمور الناس جميعا ، فدعاه ، فلما دخل عليه سلّم عليه ، فرد عليه السلام وقال : جزاك اللّه عن دينك وعن نبيك ، وعن حسبك ، وعن خليفتك ، أحسن الجزاء ، قد أمرت لك بعشرة آلاف دينار فاقبضها ، فكانت عامة أموال محمد بن عمران من تلك الصلة . وروينا من حديث ابن ودعان ، عن أبي الحسن بن السماك الواعظ ، عن أبيه ، عن ابن عرفة ، عن العباس بن محمد بن كثير ، عن حمّاد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة قال : بينما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جالس إذ رأيته ضحك حتى بدت ثناياه ، فقيل له : ممّ تضحك يا رسول اللّه ؟ قال : « رجلان من أمتي جثيا بين يدي ربي عز وجل ، فقال أحدهما : يا رب خذ لي بظلامتي من أخي ، فقال اللّه تعالى : أعط أخاك مظلمته ، فقال : يا رب ما بقي من حسناتي شيء ، قال : يا رب فليحمل من أوزاري » ، وفاضت عينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم قال : « إن ذلك ليوم يحتاج الناس إلى أن يحمل من أوزارهم ، ثم قال اللّه تعالى للمطالب بحقه : ارفع رأسك فانظره إلى الجنان ، فرفع رأسه ، فرأى ما أعجبه من الخير والنعمة ، فقال : لمن هذا يا رب ؟ فقال : لمن أعطاني ثمنه ، قال : ومن يملك ذلك يا رب ؟ قال : أنت ، قال : بما ذا ؟ قال : بعفوك عن أخيك ، قال : يا رب قد عفوت عنه ، قال : خذ بيد أخيك فأدخله الجنة » ، ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « فاتقوا اللّه وأصلحوا ذات بينكم ، فإن اللّه عز وجل يصلح بين خلقه المؤمنين يوم القيامة » . ومن وقائع بعض الفقراء إلى اللّه تعالى ، ما حدثنا به عبد اللّه ابن الأستاذ المروزي بإشبيلية غير مرة من لفظه قال : قال لي بعض المريدين : رأيت في أبي حامد الغزالي ، وأشياخ الصوفية ، ومعهم الشيخ أبو مدين ، فقال له بعضهم : أعد علينا كلامك في التوحيد ، فقال لهم : التوحيد أصل في الوجود ، وعليه أخذت المواثيق والعهود ، وهو دليل على كل مفقود ، فمن بقي على أصله فقد وفى ، ومن عدل عن رسمه فقد أخطأ الطريق وجفا ، ومن أتاه بقلب سليم تلذذ بالنظر إلى وجهه الكريم ، به يسيرون ، وبه يتلذذون ، وبه يهتدون ، وأكثر الخلق للجزاء يعملون ، ولعليين قوم آخرون ، هو قلب الوجود به قام ، وهو المحرّك والمسكّن لسائر الأجرام ، سره في مخلوقاته قد انتشر ، وحكمه في مصنوعاته كما قدّر وأمر ، فما من شيء قلّ أو جلّ إلا هو معه ، ولا ظاهر ، ولا باطن إلا وقد أتقنه وصنعه ، إن قلت فقوله سبق الأقوال ، وإن علمت فهو خالق الأعمال ، هو الممدّ للحركات والسكون ، وإذا أراد أمرا فإنما يقول له كن فيكون ، فسرّ هذا التوحيد مستور بالغيرة ، وإذا صحّت الوحدة بطلب الكثرة ، فمن انتهت همته إلى هذا المقام ، كان شفعه بالخالق العلّام ، لا يلتفت إلى غيره ، يتخلق بأخلاقه ويسير بسيره وهو الأول والغاية ، وهو الآخر وإليه