ابن عربي

143

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

وإني إذا اصطكت ركاب مطيّكم * وثوّر حاد بالرفاق عجول أخالف بين الراحتين على الحشى * وأنظر إني ملتم فأميل ومن وقائع بعض الفقراء ، ما حدثنا به أبو محمد عبد اللّه ابن الأستاذ المروزيّ بإشبيلية ، قال : قال لي بعض الصالحين : رأيت في الواقعة أبا مدين ، وأبا حامد ، وأبا طالب ، وأبا يزيد ، وخلقا كثيرا من الصوفية ، فقال أبو يزيد لأبي مدين : زدنا من كلامك في التوحيد ، فقال : التوحيد هو الحق ، ومنوّر القلب ، ومحرّك الظواهر ، وعلّام الغيوب ، نظر العارفون فتاهوا إذ لم يعمّر قلوبهم إلا هو ، فهم به والهون ، قلوبهم تسرح في رضاه في الحضرة العليّة ، وأسرارهم مما سواه فارغة خليّة ، جالت أسرارهم في الملكوت فلاحظوا عظمته ، وتجلى لقلوبهم فأنطقهم حكمته ، فهو للعارف ضياء ونور ، وقد أشغله به عن الجنة والقصور ، آنسه به فهو جليسه ، وأفناه عنه فتلاشى كثيفة ، فامتزج المعني بالمعنى ، فكان هو . ذهبت الرسوم ، وفنيت العلوم ، ولم يبق إذ ذاك إلا الحي القيوم ، وهو معنى المعاني ، والحي الباقي ، وكشف سرّ العارف ما ذا يلاقي من البر والإحسان ، ولذة النظر ، وغيبته عن الأغيار وعن جملة البشر ، تنزّه عن تنزيهه فنزّهه به ، وفني عن الأكوان بمشاهدة ربه ، فعدا عن الأسماء ، وسما عن الصفات ، واضمحلت كليته في مشاهدة الذات . هذه علوم ، وهذه أسرار يكاشف بها من هو لها مختار ، فينبتها في الوجود ، فيظهر ما عنده ويحيي بها القلوب ، وينجز له وعده ، فيرويها الحق بالماء الصافي ، ويعالج علّتها بالعلم الشافي ، فيبري بها من الأسقام ، ومن جملة العلل ، ويصلحها ويعلّمها من الأسرار ما لم تكن تعلم ، فعلم العارف موصول المعرفة ، فيظهر له الحق فيألف لمألوفه . فاستمع لهذه العلوم ، واصغ إليها بقلبك ، فكلّ من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام . ومن باب البلاغة يحكى عن يحيى بن خالد ، أنه وصف الفضل بن سهل وهو غلام على دين المجوسية للرشيد ، وذكر أدبه وحسن معرفته ، فعمل على ضمّه إلى المأمون ، فقال ليحيى يوما : أدخل إليّ هذا الغلام المجوسي حتى أنظر إليه . فأوصله ، فلما مثل بين يديه ووقف ، تحيّر ، فأراد الكلام فارتجّ عليه ، فأدركته كبوة . فنظر الرشيد إلى يحيى نظرة منكرة ، لما كان يقدّم من إفراط ثنائه عليه ، فانبعث الفضل بن سهل ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن من أيمن الدلالة على فراهة المملوك شدّة إفراط هيبته لسيده ، فقال له الرشيد : أحسنت ، واللّه إن كان سكوتك لتقول هذا ، إنه لحسن ، وإن كان شيء أدركك عند انقطاعك ، إنه لأحسن ،