ابن عربي

144

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

أو حسن . ثم جعل لا يسأله عن شيء إلا رآه فيه مقدّما ، فضمّه إلى المأمون . حدثني أبو عبد اللّه بن عبد الجليل ، قال : مرّ الحجاج بن يوسف بشخص من عمّاله كان قد صلبه ، فوجد عند خشبته صبيا صغيرا ، فاستنطقه الحجاج فقال له : يا صبي ، ما تقول في هذا الراكب ؟ فقال : أيها الأمير ، هو زرع نعمتك ، وحصيد نقمتك . فسأل عن الغلام ، فوجده ابن ذلك المصلوب ، فقرّبه وأقعده مقعد أبيه . وحدثنا أيضا عن الأصمعي ، قال : لقيت بالبادية صبيا لم يدرك الحلم ، فاستنطقته فوجدته بليغا فصيحا ، فاستخبرته هل عنده شيء من عرض الدنيا ، فقال : يا عم ، واللّه ما أملك اليوم درهما واحدا . قال : فقلت له : تودّ أن تكون لك مائة ألف وتكون أحمق ؟ فقال له : لا واللّه يا عم . قلت : ولم ؟ قال : أخاف أن يجني عليّ حمقي جناية تذهب بمالي ، ويبقى عليّ حمقي . وحدثنا أيضا من هذا الباب ، قال : كان الرشيد يميل لعبد اللّه المأمون أكثر من ميله إلى محمد الأمين ، فقالت زبيدة ، وهي أمّ الأمين : يا أمير المؤمنين ، إنك تميل إلى المأمون أكثر من ميلك إلى ولدي الأمين . فقال لها : ما أنا حيث ظننت ، ولكني تفرّست في النجابة أكثر من الأمين . قالت : فأحبّ من أمير المؤمنين أن يختبرهما بحضرتي . قال : فبعث خلف الأمين أولا ، فقال له : يا محمد ، إني جلست هذا المقام ، وآليت على نفسي لا يسألني منكم أحد شيئا إلا أعطيته ما سأل ، فقال : أسألك كلب بني فلان ، وبازي بني فلان ، فكلب مشهور ، وبازي مشهور . فقال له : لك ذلك ، ثم انصرف . فاستدعى المأمون ، فوقف بباب الستر ، فأذن له ، فدخل وسلّم ، فقال له : ادن فدنا ، وخدم ووقف ، فما زال يقول : ادن وهو يدنو ويخدم ، إلى أن وقف بين يديه ، فأمره بزيادة الدنوّ ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، هذا مقام العبد من مولاه . فقال : يا بنيّ ، إني جلست هذا المقام ، وآليت على نفسي لا يسألني أحد منكم على شيء إلا أعطيته ما سأل . قال : فأطرق واغرورقت عيناه بالدموع ، وقال له : يا أمير المؤمنين ، أسألك في الخلافة بعدك ، وأرجو اللّه أن لا يذيقني فقدك . فقال : انصرف . وحدثنا أيضا ، قال : مرّ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بغلمان يلعبون وفيهم عبد اللّه بن الزبير ، ففرّ الصبيان خوفا من عمر إلا عبد اللّه بن الزبير . فقال له عمر : يا عبد اللّه ، لم لم تفرّ كما فرّ أصحابك ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، لم أكن على ريبة فأخافك ، ولم أكن في الطريق الضيّق فأوسّع لك .