ابن عربي

140

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

عليه طمران ، أي ثوبان خلقان رثان ، ونحن قد تدرعنا بالفراء من شدة البرد ، وهو يرشح عرقا ، فقال له أبو سليمان : ألا نؤثرك ببعض ما معنا ؟ فقال الرجل : يا داراني الحر والبرد خلقان للّه عز وجل ، إن أمرهما أن يغشياني أصاباني ، وإن أمرهما أن يتركاني تركاني ، يا داراني ، تصف الزهد ، وتخاف من البرد ، أنا شيخ أسيح في هذه البريّة منذ ثلاثين سنة ما انتقضت ولا ارتعدت . يلبسني في البرد فيحا من محبته ، ويلبسني في الصيف برد محبته . ثم ولّى ، وهو يقول : يا داراني ، تبكي وتصيح وتستريح على الترويح . فكان أبو سليمان يقول : لم يعرفني غيره . قلت : كنت أطلب بيت المقدس ، فدخل عليّ شاب كالعود ، عليه أثر السياحة ، وأنا بمسجد بظاهر بيسان ، وكان صاحبي عبد الرحمن بن علي اللواتي يعمل لي شغلا بين يديّ ، فدنا منا ، وأخذ السكين من يد عبد الرحمن ، فأصلح به نعلا كان له ، ثم قال لي : تكون فقيرا وتمشي بعدة ، فقلت له : يا فقير ، تراك قد احتجت إليها ، فلو كانت ما يضرك ؟ فقال لي : لما احتجت وجدتك ، فأصلحت شأني ، وأراحني اللّه من حملها ، فكن مثلي واتركها ، فإذا احتجت إليها وجدت حاجتك عند مثلك ، وتكون بينها سالم الحال مع اللّه . ثم خرج مسرعا ، فطلبته فلم أره حتى الآن . سبحانك اللهم وبحمدك ، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ، أستغفرك وأتوب إليك . موعظة الفضيل بن عياض لأمير المؤمنين هارون الرشيد بمكة زادها اللّه شرفا روينا من حديث أبي نعيم ، عن سليمان بن أحمد ، عن محمد بن زكريا العلائي ، عن أبي عمر النحوي ، عن الفضل بن الربيع ، قال : حج هارون الرشيد ، فأتاني ، فخرجت مسرعا ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، لو أرسلت إليّ لأتيتك ، فقال : ويحك قد حاك في نفسي شيء ، فانظر لي رجلا أسأله . فقلت : هاهنا سفيان بن عيينة . قال : امض بنا إليه ، فأتيناه ، فقرعت الباب ، فقال : من ذا ؟ فقلت : أجب أمير المؤمنين ، فخرج مسرعا ، فقال : يا أمير المؤمنين ، لو أرسل إليّ لأتيتك ، فقال له : خذ لما جئناك له رحمك اللّه ، فحدثه ساعة ، ثم قال : عليك دين ؟ قال : نعم ، قال : اقض دينه . فلما خرجنا قال : ما أغنى عني صاحبك شيئا ، انظر لي رجلا أسأله . فقلت له : هاهنا عبد الرزاق ، فذكر مثل ما جرى له مع سفيان . وقال : ما أغنى عني صاحبك شيئا ، انظر لي رجلا أسأله . فقلت : هاهنا الفضيل بن عياض ، قال : امض بنا إليه ، فإذا هو قائم يصلي يتلو آية من القرآن يرددها ، قال : اقرع الباب ،