ابن عربي

141

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

فقرعت ، فقال : من ؟ قلت : أجب أمير المؤمنين ، قال : وما لي ولأمير المؤمنين ؟ فقلت : سبحان اللّه ، أما عليك طاعته ؟ فنزل ففتح الباب ، ثم ارتقى إلى الغرفة ، ثم أطفأ السراج ، ثم التجأ إلى زاوية من زوايا البيت ، فدخلنا فجعلنا نجول عليه بأيدينا ، فسبقت كف هارون الرشيد قبلي إليه ، فقال : يا لها من كف ما ألينها ، إن نجت غدا من عذاب اللّه عز وجل . فقلت في نفسي : ليكلمنا الليلة كلاما من قلب نقي ، فقال له : خذ لما جئناك له رحمك اللّه ، فقال له : إن عمر بن عبد العزيز لما ولّي الخلافة دعا سالم بن عبد اللّه ، ومحمد بن كعب القرظيّ ، ورجاء بن حيوة ، فقال لهم : إني قد ابتليت بهذا البلاء ، فأشيروا عليّ ، فعدّ الخلافة بلاء ، وعددتها أنت وأصحابك نعمة . فقال له سالم بن عبد اللّه : إن أردت النجاة من عذاب اللّه فصم عن الدنيا ، وليكن إفطارك منها الموت . وقال محمد بن كعبان : إن أردت النجاة من عذاب اللّه فليكن كبير المؤمنين عندك أبا ، وأوسطهم عندك أخا ، وأصغرهم عندك ولدا ، فوقّر أباك ، وأكرم أخاك ، وتحنن على ولدك . وقال رجاء بن حيوة : إن أردت النجاة من عذاب اللّه فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك ، واكره لهم ما تكره لنفسك ، ثم متّ إن شئت . فإني أقول لك : يا هارون الرشيد ، إني أخاف عليك أشد الخوف يوم تزلّ فيه الأقدام ، فهل معك رحمك اللّه من يشير عليك بمثل هذا ؟ فبكى هارون بكاء شديدا حتى غشي عليه ، فقلت له : أرفق بأمير المؤمنين ، فقال : تقتله أنت وأصحابك ، وأرفق به أنا ، ثم أفاق فقال له : زدني رحمك اللّه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، بلغني أن عاملا لعمر بن عبد العزيز شكى إليه ، فكتب إليه : يا أخي أذكّرك طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد ، وإياك أن ينصرف بك من عند اللّه عز وجل ، فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء . فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر بن عبد العزيز فقال له : ما أقدمك ؟ قال : خلعت قلبي بكتابك ، لا أعود إلى ولاية حتى ألقى اللّه ، قال : فبكى هارون بكاء شديدا ، ثم قال : زدني رحمك اللّه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن العباس عم المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ، جاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه ، أمّرني على إمارة ، فقال له : « إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة ، فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل » ، فبكى هارون ، وقال : زدني رحمك اللّه ، قال : يا حسن الوجه ، أنت الذي يسألك اللّه تعالى عن هذا الخلق يوم القيامة ، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل ، وإياك أن تصبح أو تمسي وفي قلبك غش لأحد من رعيتك ، فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من أصبح عنده غش لم يرح رائحة الجنة » ، فبكى هارون ، وقال له : عليك دين ؟ قال : نعم ، لربي ، لم يحاسبني عليه ،