ابن عربي

130

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

مجلس من مجالس العرب عليهم الوقار والسكينة ، فتقدم أبو بكر ، فسلّم عليهم ، فردّوا عليه السلام ، فقال : ممن القوم ؟ فقالوا : من ربيعة . قال : أمن هاماتها أم من لهازمها ؟ قالوا : بل من هاماتها العظمى . قال : وأيّ هاماتها ؟ قالوا : ذهل . قال : أذهل الأكبر أم ذهل الأصغر ؟ قالوا : بل الأكبر . قال : أفمنكم عوف الذي كان يقال : لا حرّ بوادي عوف ؟ قالوا : لا . قال : أفمنكم بسطام بن قيس صاحب اللواء ومنتمي الأخيّاء ؟ قالوا : لا . قال : أفمنكم جساس بن مرّة حامي الزمار ومانع الجار ؟ قالوا : لا . قال : أفمنكم المزدلف صاحب الغمام ؟ قالوا : لا . قال : أفأنتم أخوال الملوك من كندة ؟ قالوا : لا . قال : أفأنتم أصهار الملوك من لخم ؟ قالوا : لا . قال : فلستم من ذهل الأكبر ، إذ أنتم من ذهل الأصغر . فقام إليه أعرابي غلام حين بقل وجهه ، فأخذ بزمام ناقته ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واقف على ناقته يسمع مخاطبته ، فقال لنا : على من سألنا أن نسأله ، والعبء لا تعرفه أو تحمله . يا هذا ، إنك سألتنا أي مسألة شئت فلم نكتمك ، فأخبرنا من أنت ؟ قال أبو بكر : من قريش . قال : بخ بخ ، أهل الشرف والرئاسة ، فأخبرني من أي قريش أنت ؟ قال : من بني تميم بن مرّة . قال : أمنكم قصيّ بن كلاب الذي جمع القبائل من فهر ، فكان يقال له مجمعا ؟ قال أبو بكر : لا . قال : أفمنكم هاشم الذي يقول فيه الشاعر : عمرو الذي هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون عجاف قال أبو بكر : لا . قال : أفمنكم شيبة الحمد ، الذي كان وجهه يضيء في الليلة الظلماء الداجية مطعم الطير ؟ قال : لا . قال : أفمن المفيضين بالبأس أنت ؟ قال : لا . قال : أفمن أهل الرفادة أنت ؟ قال : لا . قال : أفمن أهل السقاية أنت ؟ قال : لا . قال : أفمن أهل الحجابة أنت ؟ قال : لا . قال : أما واللّه لو شئت لأخبرتك أنك لست من أشراف قريش . فاجتذب أبو بكر زمام ناقته منه كهيئة المغضب ، فقال الأعرابي : صادف درء السيل درء يدفعه * يرفعه طورا وطورا يضعه فتبسم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال علي : فقلت : يا أبا بكر ، لقد وقعت من هذا الأعرابي على باقعة . قال : أجل يا أبا الحسن ، ما من طامّة إلا وفوقها طامّة ، وإن البلاء موكل بالمنطق . سأل عليّ بن أبي طالب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما أفضل الصلاة ؟ قال : « ما حضرت فيها القلوب ، وذرفت فيها العيون ، وخلصت فيها النيّات ، وفاضت فيها العبرات » . وبكى الحسن البشري يوما في حلقته ، فقيل له : ما يبكيك ؟ قال : لأني أرى قوما قد أمروا بالزاد ، ونودي فيهم بالرحيل ، وحبس أولهم على آخرهم وهم قعود يلعبون .