ابن عربي
125
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
نجد الذي هو النظر الأعلى ، وظباء الحمى : الأرواح العلوية ، تقرح : أي تدمي الخف والسنام من طول السير ، وحمل الأثقال ، شبّهها بالإبل ، ثم لا وصول ، يقول : إنها موهوبة لا مكسوبة ، فلا تعمل لها . موعظة عطاء بن أبي رباح لعبد الملك بمكة حدثنا محمد بن إسماعيل ، ثنا عبد الرحمن بن علي ، انا عبد الوهاب ، انا جعفر بن أحمد ، انا عبد العزيز الضرّاب ، أخبرني أبي ، ثنا أحمد بن مروان ، ثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي ، ثنا الرياشي ، قال : سمعت الأصمعي يقول : دخل عطاء بن أبي رباح على عبد الملك وهو جالس على سريره وحواليه الأشراف من كل بطن ، وذلك بمكة في وقت حجّه في خلافته ، فلما بصر به قام إليه وأجلسه معه على السرير ، وقعد بين يديه ، وقال له : يا أبا محمد ، ما حاجتك ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، اتق اللّه في حرم اللّه ورسوله فتعاهده بالعمارة . واتق اللّه في أولاد المهاجرين والأنصار ، فإنك بهم جلست هذا المجلس . واتق اللّه في أهل الثغور فإنهم حصن للمسلمين . وتفقد أمور المسلمين فإنك وحدك المسؤول عنهم . واتق اللّه فيمن على بابك ، ولا تغفل عنهم ، ولا تغلق دونهم بابك . فقال له : أفعل . ثم نهض فقبض عليه عبد الملك فقال : يا أبا محمد ، سألتنا حوائج غيرك فقد قضيناها ، فما حاجتك ؟ فقال : ما لي إلى مخلوق من حاجة ، ثم خرج . فقال عبد الملك : هذا وأبيك الشرف ، هذا وأبيك السؤدد . ومن وقائع بعض الفقراء إلى اللّه تعالى ما حدثناه عبد اللّه ابن الأستاذ المروزي ، قال : قال بعض المريدين : رأيت أبا مدين ، وأبا حامد ، وأبا طالب ، وأبا يزيد ، وجماعة من الصوفية ، فقال أبو يزيد لأبي مدين : تكلم لنا في شيء من التوحيد . فقال : التوحيد هو الحق ، وإليه الملجأ لأهله ، وبه النجاة . هو السر الخفي ، به ظهرت الأسرار ، وهو الشمس المشرقة ، ومنه ينابيع الأنوار . وهو قطب العارفين ، وهو الدليل ، ومبرئ الأسقام ، وشفاء كل عليل . هو الظاهر ، فما سواه حجابه ، فمن كان ذا بصر جاوز أبوابه ، كشف له عن ملكه ، فعاين سلطانه ، وغيّبه به عنه ، فعظّم شأنه . فبين العارف وبين ربه سر وقر في صدره ، وحكم بمدّه بها من غيبه ، فهي غذاؤه وشرابه ، مظهر له حقيقة التوحيد ولبابه ، امتاز بها عن سائر الخلق ، فواصلته وأجلسته في حضرة الحق ، اختصه بالعلوم الأزلية العجيبة . فحقيقته من الحق دانية قريبة ، بلا حركة من معنى إلى معنى ، ولا انتقال ، ولا ماض ، ولا مستقبل ، ولا حال . هو بسر العارف مكشوف ، أمدّه به من خفيّ سرّه ، فسرّه