ابن عربي

126

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

من سره معروف . فجملة المحسوسات عدم وهبا . فحقّق ببصيرتك تنظر عجبا ، تجد القائم في كل الخطرات واللحظات مشاهد ، إذ هي أغطية يستر بها إذ هو في الوجود واحد . فالمعرفة في حق كل مصنوع وضعه ، فكل مفترق هو أصله وجمعه . بذلك شهدت الظواهر على غيبها ، فهو المبدئ لكل شيء والمعيد ، والفعّال في ملكه يفعل ما يريد . فجملة هذه العلوم عرفها العارفون ، وجهلها الأكثرون ، وعلم تأويلها الراسخون ، وما يعقلها إلا العالمون . وروينا من حديث الهاشمي ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أيها الناس ، بسط الأمل مقدّم على حلول الأجل ، والمعاد مضمار العمل ، فمغتبط بما احتقب ، غانم ، ومبتئس بما فاته من العمل ، نادم . أيها الناس ، إن الطمع فقر ، واليأس غنى ، والقناعة راحة ، والعزلة عبادة ، والعمل كنز ، والدنيا معدن . واللّه ما يسرّني ما مضى من دنياكم هذه بأهداب بردي هذا ، ولما بقي منها أشبه بما مضى من الماء بالماء . وكل إلى نفاد وشيك ، وزوال قريب ، فبادروا وأنتم في مهل الأنفاس ، وجدّة الأحلاس ، قبل أن يؤخذ بالكظم ، ولا يغني الندم » . عمرة أبي بكر الصدّيق في خلافته رضي اللّه عنه حدثنا محمد بن إسماعيل ، عن عبد الرحمن بن علي ، عن محمد بن عبد الباقي ، عن أبي محمد الجوهري ، عن ابن حبوة ، عن أبي الحسن بن معروف ، عن الحسين بن الفهم ، عن محمد بن سعد ، عن الواقدي ، عن أشياخه ، قالوا : اعتمر أبو بكر الصدّيق رضي اللّه عنه في خلافته ، في رجب سنة اثنتي عشرة ، فدخل مكة ضحوة ، فأتى منزله وأبوه أبو قحافة جالس على باب داره ، فقيل له : هذا ابنك ، فنهض قائما ، وعجل أبو بكر أن ينيخ راحلته ، فنزل عنها وهي قائمة ، فجعل أبو بكر يقول : يا أبت لا تقم ، ثم التزمه ، فقبّل أبو بكر بين عيني أبيه . فأخذ الشيخ يبكي فرحا بقدومه ، وجاء ممن سمع به ممن هناك من الصحابة ، مثل عتاب بن أسيد ، وسهيل بن عمرو ، وعكرمة بن أبي جهل ، والحارث بن هشام ، فسلموا عليه : سلام عليك يا خليفة رسول اللّه ، فجعل أبو بكر عندما سمع ذكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يبكي ، وأبكى القوم ، وتجدد عليه الحزن لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال أبو قحافة : يا عتيق ، هؤلاء الملأ فأحسن صحبتهم ، فقال أبو بكر : يا أبت ، لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ، لقد طوقني اللّه أمرا عظيما لا قوة لي به ولا يد إلا باللّه . ثم دخل فاغتسل وخرج وتبعه أصحابه فنحاهم ، ولقيه الناس يعزّونه برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يبكي حتى انتهى إلى البيت ، فاضطبع واستلم ، وطاف سبعا ، وركع ركعتين ، ثم رجع إلى منزله . فلما كانت