ابن عربي

122

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

يربوع بن حنظلة ، فجعل لهم جعلا عظيما إن هم قتلوا جحدر ، أو أتوا به أسيرا ، ووعدهم أن يوفدهم إلى الحجاج . فخرج الفتية في طلبه ، حتى إذا كانوا قريبا منه ، بعثوا إليه رجلا منهم يريه أنهم يريدون الانقطاع إليه والتحزّب به ، فوثق بهم واطمأن إليهم ، فبينما هم على ذلك إذ شدّوه وثاقا وقدموا به إلى العامل ، فبعث به معهم إلى الحجاج ، وكتب يثني على الفتية . فلما قدموا به على الحجاج ، قال له : أنت جحدر ؟ قال : نعم . قال : ما حملك على ما بلغني عنك ؟ قال : جراءة الجنان ، وجفوة السلطان ، وكلب الزمان . قال : وما الذي بلغ من أمرك ، فيجتري جنانك ، ويصلك سلطانك ، ولا يكلبك زمانك ؟ قال : لو بلاني الأمير لوجدني من صالح الأعوان ، وأهم الفرسان ، ومن أوفى أهل الزمان . فقال الحجاج : أنا قاذفك في قبة فيها أسد ، فإن قتلك كفانا مئونتك ، وإن قتلته خلّينا سبيلك ووصلناك . قال : لقد أعطيت أصلحك اللّه الأمنية ، وعظمت المنّة ، وقرّبت المحنة . فأمر به فاستوثق منه بالحديد وألقي في السجن ، وكتب إلى عامله بكسكر يأمره أن يصيد له أسدا ضاريا ، فلم يلبث العامل أن بعث له بأسد ضاريات قد أثرت على أهل تلك الناحية ، ومنعت عامة مراعيهم ومسارح دوابهم ، فجعل واحدا منها وهو عظيمها في تابوت يجرّ على عجلة . فلما قدموا به ألقي في حيز وأجيع ثلاثا . ثم بعث إلى جحدر ، فأخرج وأعطي سيفا ، ودلّي عليه ، فمشى إلى الأسد وأنشأ يقول : ليث وليث في مجال ضنك * كلاهما ذو أنف ومحك وصولة في بطشة وفتك * أن يكشف اللّه قناع الشكّ وأظفرن بجؤجر وبرك * فهو أحقّ منزلا بترك الذئب يعوي والغراب يبكي * وقدرة اللّه مزال الشكّ حتى إذا كان منه على قدر رمح تمطّى الأسد وزأر وحمل عليه ، فتلقّاه جحدر بالسيف فضرب هامته ضربة فلقها ، وسقط الأسد كأنه خيمة قوّضتها الريح ، فانثنى جحدر وقد تلطخ بدمه لشدة حملة الأسد عليه ، فكبّر الناس . فقال الحجاج : يا جحدر ، إن أحببت أن ألحقك ببلادك وأحسن صحبتك وجائزتك فعلت ذلك بك ، وإن أحببت أن تقيم عندنا أقمت فأسنينا فريضتك . قال : أختار صحبة الأمير . ففرض له ولجماعة أهل بيته . وأنشد جحدر يقول : يا جمل إنك لو رأيت سيالتي * في يوم هيج مردف وعجاج وتقدمي لليث أرسف نحوه * عني أكابره عن الإخراج جهم كان جبينه لما بدا * طبق الرحا متفجر الأثباج يرتو بناظرتين يحسب فيهما * من ظنّ خالهما شعاع سراج