ابن عربي

8

مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الالهية

عليهم أن يقدموا لنا . لأن الكتاب أمانة ، يقول ابن عربي أول الكتاب : " ولا سبيل إلى أن يقف على هذه المشاهد إلّا أربابها ، وهي أمانة بيد كل من حصلت عنده . فإن كان من أهلها حصل له مراده ، وإن كان من غير أهلها فليبحث عن أربابها وأهلها . فإن اللّه تعالى يقول : * إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها « 1 » والعجيب أنه يختم الرسالة بنفس الأمر تقريبا فيقول : " ثم لتعلم أن لهذه الحضرات أسرارا ظاهرة وأسرارا باطنة . فالأسرار الظاهرة لأهل الاستدراج ، والباطنة لأهل الحقائق . فليس كل حكيم حكيما . بل الحكيم من حكمته الحكمة ، وقيدته بالوقوف عند فصل الخطاب ، ومنعته أن ينظر إلى سوى خالقه ، ولازم المراقبة على كل أحيانه فليس من نطق بالحكمة ولم تظهر آثارها عليه يسمى حكيما . فالنبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) قد قال : ( ربّ حامل فقه ليس بفقيه ) « 2 » . إنما هي أمانة عنده ، يؤديها إلى غيره ، فإذا صدرت منك حكمة ، فانظرها في نفسك . فإن كنت قد تحليت بها ، فأنت صاحبها ، وإن رأيت نفسك عارية عنها فأنت لها حامل ومسؤول عنها . وتحقيق هذا أن تنظر إلى استقامتك على الطريق الأوضح ، والمهيع « 3 » السديد والميزان الأرجح في قولك وفعلك وقلبك " « 4 » . ولذا كان لا بد لهذا الكتاب أن يكون من الكتب الشديدة الخصوصية بالذوق الصوفي ، ويطلب من الذين يحبون قراءته أن يكونوا ممن يعتقدون في هذا العلم وفي

--> ( 1 ) الآية رقم ( 58 ) من سورة النساء . ( 2 ) حديث : ( رب حامل فقه ليس بفقيه ) : انظر تخريج الحديث نهاية هذا الكتاب . ( 3 ) ( المهيع ) : وطريق مهيع : واضح واسع بيّن ، وجمعه مهايع . وفي حديث عليّ ، رضي اللّه عنه : اتّقوا البدع والزموا المهيع ؛ هو الطريق الواسع المنبسط ، انظر : لسان العرب لابن منظور ( مادة : هيع ) . ( 4 ) انظر خاتمة هذه الرسالة فلا يزال في هذه الإشارة بقية .